أن حرية الرأي وقدرها كانت متصلة اتصالا كبيرا بمزاج الخليفة؛ فمثلا - كان المنصور ضيق الصدر سياسيا واسع الصدر علميا، يأخذ بالظنة في كل ما يتعلق بالملك، ويحاسب أشد المحاسبة حتى ما توهمه في النية والضمير، ويجزي على ذلك بالقتل السريع، لا يرحم خارجا عليه، بل ولا من توسم فيه خروجا، ولا من حاول أن ينتزع منه سلطة، ولو كان هو مانحها - أما في العلوم فرحب الصدر، يتسع صدره للمعتزلة وتعاليمهم، فيقرب إليه أحد زعمائهم عمرو بن عبيد، وعمرو هو الذي يفر منه، ويشجع المنجمين والأطباء، وكل ما أتوا به من ضروب الفلسفة، والمهدي كان شديد الحس فيما يتعلق بالزندقة، مغرما بالعقوبة عليها، والبحث عنها حتى في أعماق الصدور؛ كان يشعر أن فيها خطرا على الدولة من حيث تعاليمها، فاشتراكية «مزدك» وفلسفة «ماني» تجمعت في زنادقة عصره، وأحس أنها تحل قوى الشعب إذا انتشرت، ونظر إليهم بنظره إلى من يحل الأخلاق ويفسد المجتمع، ويهدم السلطة، فعاقب وأسرف في العقوبة، واتهم وبالغ في الاتهام، أما فيما عدا ذلك من ضروب الآراء، ومختلف العلوم فكان سمحا سهلا، والرشيد في تشجيعه للحركات الأدبية والعلمية لا يبارى، وإن أخذ عليه أنه كان يكره الاعتزال وقد يعاقب عليه - وليس يساويه في ذلك إلا المأمون بل قد يفوقه، فقد كان له من الذوق العلمي والأدبي والعقل الفلسفي، ورحابة الصدر في الجدل والمناظرة والإصغاء إلى مختلف الآراء ما شجع الحركات العلمية والأدبية والفنية أكبر تشجيع، ولا يؤخذ عليه في ذلك إلا موقف الغريب - الذي يتنافى وما عرف عنه من حرية الرأي - في محنة خلق القرآن، وسنعرض لها بعد.
على كل حال من الحق أن نقول إن عصرنا الذي نؤرخه - على الرغم من كل مظاهر الاستبداد التي ألممنا بها - كان عصرا مجيدا في تاريخ الإسلام من حيث حرية الرأي العلمية إلى حد كبير؛ فلما تولى المتوكل اضطهد المعتزلة وشردهم كل مشرد، وأزال سلطانهم، وانتقم منهم بأكثر مما فعلوا أيام المأمون، وعزلهم من الوظائف الحكومية، وقبض على القاضي أحمد بن أبي دواد وكان نصير المعتزلة، وسجنه؛ وانتصر للسنية في قوة وعنف، وكما اضطهد المعتزلة - وهم قادة حرية الرأي - اضطهد غير المسلمين من نصارى ويهود، وعزلهم كذلك من الوظائف، ووضع لهم تعاليم في منتهى الشدة يجب أن يتبعوها - وبذلك قبع المتكلمون الذين كان على رأسهم المعتزلة، وقبع الفلاسفة وكان على رأسهم النساطرة وأمثالهم، وانتصر رجال الحديث، وغلب المنهج الذي يمثله المحدثون، وهو المنهج النقلي الذي سبقت الإشارة إليه - وعلى الجملة فقد كانت خلافة المتوكل خاتمة لعصر حافل بالآراء والمبادئ، وفاتحة لعصر آخر قيدت فيه الآراء والأفكار إلى حد بعيد، ومنحت فيه السلطة للمحافظين من الفقهاء والمحدثين، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
الفصل الثاني
| معاهد العلم في العصر العباسي
إلى آخر عصرنا هذات أعني إلى عهد المتوكل - لم تكن أنشئت المدارس المخصصة لدراسة العلم، فإنها لم تنشأ إلا بعد ذلك؛ وقد ذهب الذهبي إلى أن «نظام الملك» الذي استوزر للسلاجقة من سنة 456 إلى سنة 485ه هو أول من أنشأ المدارس، فبنى مدرسة ببغداد، ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بهراة، ومدرسة بأصبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بآمل طبرستان، ومدرسة بالموصل؛ ويقال إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة. وقد رد عليه بعض المؤرخين هذا القول كالسبكي والسيوطي وغيرهما، وقالوا كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعدية بنيسابور بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود
1
إلخ.
وذكر المقريزي: «أن الخليفة المعتضد بالله (279-289ه) لما أراد بناء قصره في الشماسية ببغداد استزاد في الذرع، بعد أن فرغ من تقدير ما أراد، فسئل عن ذلك، فذكر أنه يريده ليبني فيه دورا ومساكن ومقاصير، يرتب في كل موضع رؤساء كل صناعة ومذهب من مذاهب العلوم النظرية والعملية، ويجري عليهم الأرزاق السنية، ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره فيأخذ عنه».