ما يبلغ الأعداء من جاهل
ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه
حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوي عاد إلى جهله
كذي الضنى عاد إلى نكسه
فإن من أدبته في الصبا
كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا
بعد الذي أبصرت من يبسه
قال بلى يا أمير المؤمنين، قال فأنت لا تترك أخلاقك، ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك؛ ثم أمر به فقتل وصلب على الجسر - وهذا الخبر إن صح لم يدل على شيء يصح أن يؤاخذ عليه، فضلا عن أن يقتل به، ويعجبني ما قال أحدهم أنه رآه في المنام، فوجده ضاحكا مستبشرا. فسأله كيف نجوت؟ قال وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال قد علمت براءتك مما كنت ترمى به - فإن هذه الرؤيا انعكاس لعقيدة الحالم في صحوه، وأخشى أن يكون جرى على لسانه في وعظه قول به مساس للنظام في وقته، أو نقد لتصرف من تصرفات الخلفاء، فرموه بالزندقة - وإن فشو الاتهام بالزندقة في ذلك العصر دليل على عبودية الرأي لا على حريته - ثم هذا المأمون على أنه أكثر الخلفاء العباسيين تسامحا، وأوسعهم صدرا، وقف موقفا غريبا، إذ حمل الناس حملا على القول بخلق القرآن، وعذب بعضا وقتل بعضا، واشتد في ذلك شدة تستخرج العجب، وبخاصة صدورها من مثله وهو الفيلسوف الواسع الفكر البعيد النظر - وعلى العموم كان المعتزلة يضطهدون يوم كانت السلطة في يد أعدائهم، وكانوا يضطهدون يوم كانت السلطة لهم، وكلا الحالين يخجل من يقول بحرية الرأي في ذلك العصر.
وبعد، فهل يمكن التوفيق بين هذين العرضين؟ وهل يمكن استخلاص قواعد ثابتة يؤرخ بها الرأي في العصر العباسي، وتعين على وضع حدود فاصلة بين الحرية والعبودية؟
أظن أنه يمكننا من هذه الظواهر المتناقضة أن نستنتج المبادئ الآتية: (الأول):
أن الخلفاء العباسيين الأولين وبخاصة المنصور، وضعوا أسسا للدولة أهمها (1)
تعظيم الخلافة في نفوس الناس، فأبو جعفر المنصور رأى كثرة الخارجين على الدولة فلم يسمح أن تحدث أحدا نفسه بالخروج عليها، وقتل في هذا الأمر بالظنة، وخير ما يمثل هذا الجانب ما روي أن عبد الصمد بن علي قال للمنصور: «لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو، قال المنصور: لأن بني مروان لم تبل رممهم، وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء فليست تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة».
68 (2)
مما يتصل بهذا أنه صبغ الخلافة صبغة دينية، وأقام الخليفة مقام الحامي للدين، الذائد عن حياضه؛ فالسلطان ظل الله في أرضه، ومنه تتلقى كل سلطة ونرى هذا واضحا في الدولة العباسية أكثر منه في الدولة الأموية؛ فلا نرى مثلا في الدولة الأموية قاضيا اتصل دينيا وسياسيا بالخليفة كما اتصل أبو يوسف بالرشيد فاصطبغ الخليفة العباسي صبغة روحية، وكان من مظاهر ذلك ما أحاطوه بالبيعة من مظاهر قدسية؛ ومن ثم لما ضعفت سلطتهم وغلبهم الأمراء والولاة على أمرهم ظل في نفوس الناس لهم الحرمة الدينية.
من أجل هذا المبدأ، نرى أن الخلفاء لم يكونوا يسمحون بسبب من الأسباب ضعف شأن الملك أو يؤدي إلى ذلك، ومن كلام المنصور: «الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاث خلال: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك». فهم إن سمحوا بحرية الرأي في كل شيء فليسوا يسمحون بها في هذا الباب، وإذا مس العلم هذه الناحية فالعقوبة شديدة؛ ومن رأيي أن أبا حنيفة ومالكا والثوري لم يعاقبوا للسبب الذي يذكر عادة، وهو عدم رغبتهم في تولي القضاء، ولكن لأن امتناعهم مظهر من مظاهر عدم تعاونهم مع الدولة القائمة، والجمهور يرى أن هؤلاء إذا امتنعوا فلأن الدولة ظالمة لا تحكم بالعدل، ولأن امتناعهم قد يدل على رغبتهم الخفية في نصرة أعداء العباسيين كالعلويين - ومن هذا الباب توسيع أمر الزندقة وإنشاء الإدارة الخاصة بها، فهم - وقد أخذوا على عاتقهم حماية الدين وصبغوا الخلافة صبغة دينية، وربطوا الأمرين بعضهما ببعض - قد رأوا التشدد في هذا الأمر كالتشدد في سابقه، وكان أكبر ما يضطهدون قوما من أتباع ماني، يعتنقون الإسلام ظاهرا، ويعملون على هدمه باطنا - وطبيعي أن هذا الباب إذا فتح لا يقف عند حد، ويؤخذ فيه البريء بذنب المجرم - فإذا لم يتصل العلم بشيء من هذين فالعلماء أحرار فيما يقولون. (الثاني):