تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن الحق أن القائل إذا اقتصر على هذا الجانب من التاريخ في هذا العصر لم يكن مصيبا، وكان قد نظر إلى المسالة من جانب واحد، فهناك جانب آخر لو قصر الناظر نظره عليه لصرح بأن حرية الرأي في ذلك العصر لم يكن لها وجود. فمن الناحية السياسية نطالع تاريخ الوزراء فقل أن نرى وزيرا في العصر العباسي مات حتف أنفه، فأول وزير لأول خليفة عباسي أبو سلمة الخلال، وقد أوعز السفاح إلى أبي مسلم الخراساني بقتله ففعل، واستوزر أبو جعفر المنصور أبا أيوب سليمان المورياني ثم قتله، وقتل أقاربه واستصفى أموالهم، وفي ذلك يقول ابن حبيبات الشاعر الكوفي:

قد وجدناك تحسد من أعطته

طوعا أزمة التدبير

فإذا ما رأوا له النهي والأم

ر أتوه من بأسهم بنكير

شرب الكأس بعد حفص سليما

ن ودارت عليه كف المدير

ونجا خالد بن برمك منها

إذ دعوه من بعدها بالأمير

أسوأ العالمين حالا لديهم

من تسمى بكاتب أو وزير

64

والمهدي استوزر يعقوب بن داود ثم ما زال السعاة يسعون به حتى نكبه المهدي وجعله في المطبق، ونكبة الرشيد للبرامكة معروفة مشهورة، واستوزر المأمون الفضل بن سهل ثم أوعز بقتله وهكذا.

وبلغ الحال من تعرض الوزراء في ذلك العصر وبعده للقتل ما ذكره التنوخي المتوفى في سنة 374 في كتابه «نشوار المحاضرة» عن ابن عياش أنه «رأى في شارع الخلد قردا معلما يجتمع الناس عليه فيقول له القراد: تشتهي أن تكون بزازا؟ فيقول نعم ويومئ برأسه، فيقول تشتهي أن تكون عطارا؟ فيقول نعم برأسه، فيعدد الصنائع عليه فيومئ برأسه - فيقول له في آخرها تشتهي تكون وزيرا؟ فيومئ برأسه - لا - ويصيح ويعدو من بين يدي القراد فيضحك الناس».

65

ولقد عين المنصور لابنه جعفر كاتبا يسمى الفضيل بن عمران، وكان رجلا عفيفا دينا فدس له عند المنصور لأسباب سياسية بأنه يعبث بجعفر، فأمر المنصور بقتله من غير سؤال، ثم تبين للمنصور كذب المبلغ، فبعث رسولا يقف القتل، فقدم الرسول وقد قتل فقال جعفر بن المنصور لسويد: ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف دين مسلم بلا جرم ولا جناية؟ فقال سويد: هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء وهو أعلم بما يصنع، فنهره جعفر وقال: أكلمك بكلام الخاصة وتكلمني بكلام العامة، خذوا برجله بألقوه في دجلة، فقال سويد أكلمك، فقال دعوه، فقال سويد: هل يسأل أبوك عن فضيل؟ لقد قتل المنصور عمه عبد الله، وقتل عبد الله ابن الحسين وغيره من أولاد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ظلما، وقتل أهل الدنيا ممن لا يحصى ولا يعد، إنه قبل أن تسأل عن فضيل يكون جرذانة إلخ».

66

ومن الناحية العلمية والدينية نرى خلفاء بني العباس قد أهانوا كثيرا من العلماء وعذبوهم؛ فأبو حنيفة ومالك يضربان ويحبسان؛ لأنهما لا يريدان أن يتوليا القضاء، أو لرأيهما في البيعة؛ وسفيان الثوري يتنقل في البلاد مختفيا، لأنهم أرادوه على قضاء الكوفة فأبى؛ ثم هذه الإدارة التي تنشأ للبحث عن الزنادقة وعقوبتهم، والإفراط في قتل المتهمين، ومنهم - بلا شك - من قتل ظلما وعدوانا، وكان الداعي إلى قتله أسبابا سياسية، فنفذوا أغراضهم تحت ستار الزندقة استمالة للجمهور، كما فعلوا في ابن المقفع - وقد تقدم ذكره - وكما فعلوا في صالح بن عبد القدوس، فقد كان مولى من موالي الأزد، وكان واعظا في البصرة ثم في دمشق - وكان يقول الشعر لا في مدح خليفة أو أمير، وإنما يقوله في الحكمة والموعظة، مثل قوله:

ما بين ما تحمد فيه وما

يدعو إليك الذم إلا القليل

وقوله:

كل آت لا شك آت، وذو الجه

ل معنى. والهم والحزن فضل

ومن شعره وكأنه طبق عليه:

أيها اللائمي على نكد الده

ر لكل من البلاء نصيب

قد يلام البريء من غير ذنب

وتغطى من المسيء الذنوب

وتحول الأحوال بالمرء والده

ر له في صروفه تقليب

67

وقد روى الخطيب البغدادي أن المهدي اتهمه بالزندقة فأمر بحمله إليه فأحضر بين يديه، فلما خاطبه أعجب بغزارة علمه وأدبه وبراعته وحسن نباهته وكثرة حكمته، فأمر بتخلية سبيله؛ فلما ولى رده وقال ألست القائل:

ضحى الإسلام · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٧٦