تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

61

وقال رجل للمنصور: «إن الله استرعاك المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الحصى والآجر وأبوابا من الحديد، وحجبة معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها عنهم، وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها، وقويتهم بالرجال والسلاح والكراع، وأمرت بألا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان، نفر سميتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم، ولا الملهوف، ولا الجائع العاري، ولا الضعيف الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق؟ فلما رآك هؤلاء النفر - الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرتهم ألا يحجبوا عنك - تجبي الأموال وتجمعها ولا تقسمها، قالوا هذا قد خان الله فما بالنا لا نخونه، وقد سجن لنا نفسه، فأتمروا ألا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا قصبوه

62

عندك ونفوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره - فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، وأعظمهم الناس وهابوهم، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم؛ فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل، فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول مدينتك، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته إليك، فإن المتظلم منه له بهم حرمة، فأجابهم خوفا منهم - فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه؛ فإذا أجهد وأخرج وظهرت صرخ بين يديك، فضرب ضربا مبرحا، ليكون نكالا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر؛ فما بقاء الإسلام على هذا!».

63

فهذه الأخبار وأمثالها تدل على قدر كبير من حرية الرأي، وخاصة إذا لاحظنا أن أكثر هؤلاء الذين جهروا بهذه الآراء لم يمسهم سوء، أو مسهم طائف من سوء.

هذا من الناحية السياسة، وكذلك نرى هذا المظهر في الناحية العلمية؛ فالدولة العباسية مع تأثيرها بعض الأثر في التاريخ وغيره - كما أشرنا - لم ترغم المؤرخين على أن يقولوا - دائما - ما تحب، بل استطاع كثير منهم أن يتحرروا من تأثيرها، وأن يبدوا آراءهم في صراحة. فهذا «ابن جرير الطبري» يروي كتابه عن مؤرخين عاشوا في هذا العصر، ويروي آراء وأخبارا لا ترضي الخلفاء العباسيين، ولا ذريتهم الذين كانوا في الحكم وقت أن دونت هذه الحوادث؛ فقد ذكروا السفاح وسفكه للدماء، وعابوا على المنصور شحه وقتله كثيرا من الناس ظلما، وذكروا الأبيات المقذعة التي قيل إن بشارا هجا بها المهدي، ووصفوا مجالس لهوهم، ومن كان منهم يشرب الخمر ومن لا يشرب، ومن كان يفرط في سماع الغناء ومن لا يفرط، وتركوا لنا صورة لكل خليفة، إن لم تكن صحيحة الصحة كلها، فهي قريبة من الصحة، فلم يقلبوا الحقائق وإن لطفوها أحيانا، وهذا - بلا شك - ما كان يكون لولا تمتع بقدر كبير من حرية الرأي.

ثم نستعرض كتابا، كمقالات الإسلاميين لأبي حسن الأشعري، أو الملل والنحل للشهرستاني، أو الفرق بين الفرق للبغدادي؛ فنرى مذاهب وأقوالا في الإلهيات ونحوها يستغرب القارئ من عرضها، ويعجب كيف كان قائلوها يجرءون على قولها ثم لا يتعرض لهم أحد، وكيف كانوا في منتهى الحرية في أخذ الأقوال عن فلاسفة اليونان ومزجها بالإسلام، وكيف كانوا - وخاصة المعتزلة - يعرضون لأحداث التاريخ في صدر الإسلام، ويحللون أفعال الصحابة، وينقدونهم نقدا صريحا، ويبينون خطأهم من صوابهم، ويعارضون المعارضون بمثل قولهم، إلى غير ذلك مما سنبينه في الكلام على الفرق الدينية. ثم كان الفقهاء ينقد بعضهم بعضا في حرية تامة، فابن أبي ليلى ينقد أبا حنيفة بكل ما يستطيع من قوة، وتلاميذ أبي حنيفة يردون عليه كذلك، والنزاع بين تلاميذ أبي حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم على أشده، هو في حدود العقل أحيانا، وخارج حدوده أحيانا، ثم لا يتعرض لهم أحد بسوء، وإنما يدفعون الحجة بالحجة والتهويش بالتهويش - أليس هذا منظرا بديعيا من مناظر حرية الرأي قد نستطيع أن نقول فيه إننا الآن لا نستطيع أن نجرؤ على ما كانوا يجرءون عليه، ولا نتمتع بمثل ما تمتعوا به.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٧٥