تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنبحث بعد مسالة لها صلة وثيقة بهذا الموضوع وهي «حرية الرأي» في هذا العصر، وإلى أي حد كانت.

وإن الباحث في هذا الأمر يرى مظاهر تبدو متناقضة؛ فيرى مظاهر كثيرة تدل على تمتع الناس بقدر من حرية الرأي كبير، ومظاهر أخرى تدل على عكس ذلك. فمثلا نرى من ناحية أن بعض الشعراء استطاع أن يجهر في صراحة بذم الخلفاء، ولا يكتفي بالتلميح؛ فقد روي أن سليم بن يزيد العدوي، وهو من أصحاب واصل بن عطاء قال في زمن أبي جعفر المنصور:

حتى متى لا نرى عدلا نسر به

ولا نرى لولاة الحق أعوانا

مستمسكين بحق قائمين به

إذا تلون أهل الجور ألوانا

يا للرجال لداء لا دواء له

وقائد ذي عمى يقتاد عميانا

ودعبل الخزاعي قد أكثر من القول في هذا الباب؛ فيقول فيه صاحب الأغاني: «إنه هجاء خبيث اللسان لم يسلم منه أحد من الخلفاء، ولا من وزرائهم، ولا أولادهم، ولا ذو نباهة أحسن إليه أو لم يحسن، ولا أفلت منه كبير أحد».

55

وكان شيعيا مشهورا بالميل لعلي بن أبي طالب وذريته، وقد قال فيهم قصيدته المشهورة «مدارس آيات خلت من تلاوة»؛ وقد هجا المعتصم، فكان مما قال فيه:

بكى لشتات الدين مكتئب صب

وفاض بفرط الدمع من عينه غرب

وقام إمام لم يكن ذا هدية

فليس له دين وليس له لب

وما كانت الأنباء تأتي بمثله

يملك يوما أو تدين له العرب

لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم

وصيف وأشناس وقد عظم الكرب

وهجا قبله المأمون، فقيل له إن دعبلا قد هجاك، فقال: «وأي عجب في ذلك، هو يهجو أبا عباد ولا يهجوني أنا؟ ومن أقدم على جنون أبي عباد أقدم على حلمي». وترجمته مملوءة بالهجاء للخلفاء والوزراء والأمراء وغيرهم، ثم هو يقول: «أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة لست أجد أحدا يصلبني عليها».

56

ونرى رجلا أعمى من أهل بغداد اسمه علي بن أبي طالب يقول لما أراد الأمين أن يأخذ البيعة لابنه وهو طفل:

أضاع الخلافة غش الوزير

وفعل الإمام ورأي المشير

وما ذاك إلا طريق غرور

وشر المسالك طرق الغرور

فعال الخليفة أعجوبة

وأعجب منه فعال الوزير

وأعجب من ذا وذا أننا

نبايع للطفل فينا الصغير

57

ويقول أحمد بن أبي نعيم في أبيات فاحشة:

لا أحسب الجور ينقضي وعلى الأم

ة وال من آل عباس

58

إلى كثير من أمثال هذا الشعر، ولو كان الخلفاء يعاقبون أشد العقوبة ولو بالظنة على مثل هذا لما كثر هذه الكثرة.

ويحدثنا «طيفور» في كتابه «تاريخ بغداد» أن بشر بن الوليد قال للمأمون: إن بشرا المريسي يعرض بك ويزري عليك، قال فما أصنع به؟ ثم دس إليه رجلا فحضر مجلسه وتسمع ما يقول، فأتاه الرجل، فقال: سمعته يقول حين أراد القيام، وفرغ من الكلام بعد حمد الله والثناء عليه: اللهم العن الظلمة وأبناء الظلمة من آل مروان، ومن سخطت عليه ممن آثر هواه على كتابك وسنة نبيك

صلى الله عليه وسلم

اللهم وصاحب البرذون، الأشهب فالعنه، فقال المأمون أنا صاحب البرذون الأشهب وسكت عليها؛ فلما دخل عليه بشر قال له بعد أن سأله: يا أبا عبد الرحمن، متى عهدك بلعن صاحب الأشهب، فطأطأ بشر رأسه ثم لم يعد بعد ذلك لذكره والتعرض له.

59

وقال عبد الرحمن بن زياد: كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة، فلما ولي الخلافة وفدت إليه، فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئا إلا رأيته في سلطانك، فقال (المنصور): إنا لا نجد الأعوان، قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان برا أتوه ببرهم، وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم. فأطرق.

60

وكذلك قال له عمرو بن عبيد، فقد قال المنصور: «إنه ما عمل وراء بابك بشيء من كتاب الله، ولا سنة نبيه، قال أبو جعفر: فما أصنع؟ قد قلت تلك خاتمي في يدك فتعال وأصحابك فاكفني، قال عمرو ادعني بعدلك، تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، اردد منها شيئا نعلم أنك صادق».

ضحى الإسلام · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٧٤