تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53

ومن أجل هذا نرى الكوفيين أقرب إلى قصور الخلفاء من البصريين، فالمفضل الضبي معلم المهدي كوفي، والكسائي معلم الأمين كوفي، والسبب في هذا قرب الكوفة من بغداد وبعد البصرة - من جهة، وميل الكوفيين في الجملة سياسيا إلى دولة بني العباس، وانصراف البصريين عنها من جهة أخرى - ولعل هذا هو السبب في تعصب العباسيين وشيعتهم للكسائي الكوفي على سيبويه البصرى في المناظرة التي جرت بينهما في المسألة المشهورة: «كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها»؛ فقد كان الكسائي يجيز فإذا هو هي وإذا هو إياها، وسيبويه لا يجيز إلا فإذا هو هي، وكانت المناظرة في مجلس يحيى بن خالد البرمكي، وعنده ولداه جعفر والفضل، وكان المتناظران زعيمي بلديهما الكوفة والبصرة، وقد حكم للكسائي على سيبويه فكان حكما للكوفة على البصرة، وكان إذلالا للبصريين؛ ولذلك لم يستطع سيبويه أن يعود إلى البصرة بعد الحكم، وإصبع السياسة في المسألة لقد لعبت دورها فيما أظن. •••

والأدب اتجه أكثر إلى مشايعة رغبات القصر، يذم الشعراء من ذمهم الخلفاء، ويمدحون من رضوا عنه، فإذا خرج محمد بن عبد الله على المنصور، قال ابن هرمة:

غلبت على الخلافة من تمنى

ومناه المضل بها الضلول

فأهلك نفسه سفها وجبنا

ولم يقسم له منها فتيل

دعوا إبليس إذ كذبوا وجاروا

فلم يصرخهم المغوي الخذول

وما الناس احتبوك بها ولكن

حباك بذلك الملك الجليل

تراث محمد لكم وكنتم

أصول الحق إذ نفي الأصول

وإذا رضى المعتصم عن الأفشين، فقصائد أبي تمام تترى في مدحه، وإذا غضب عليه وصلبه، فقصائد أبي تمام أيضا تقال في ذمه وكفره؛ ويرضى الرشيد عن البرامكة فهم معدن الفضل، ويقتلهم فهم أهل الزندقة والشرك، وهكذا وقف الأدب أو أكثره يخدم الشهوات والأغراض، وقديما هجا الفرزدق الحجاج بعد أن مدحه فقيل له: كيف تهجوه وقد مدحته؟ فقال: «نكون مع الواحد منهم ما كان الله معه، فإذا تخلى عنه انقلبنا عليه»، ولو قال: «نكون معه ما كانت الدنيا معه» لكان أصدق. •••

هذا قليل من كثير في هذا الباب، ومن الطبيعي أن هذه الأمور وأمثالها تجري في الخفاء، ولا يعلم الناس من أمرها إلا فلتات قليلة، وألاعيب السياسة دائما تجري من وراء ستر كثيفة، ولا يعلم الأكثرون إلا المظاهر، وهي قليلة الدلالة على البواطن.

على أن من الحق أن نقرر أن هناك من العلماء من كان لا يشايع إلا الحق، كما كان من العلماء من يشايع السياسة، شأن الناس في كل عصر، ولعل خير ما يمثلهما معا ما حدث في أمر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقد خرج على الرشيد بالديلم، واشتدت شوكته وقوي أمره، ونزع إليه الناس من الأمصار والكور، ثم دعاه الرشيد إلى الصلح فأجاب، وكتب الرشيد أمانا ليحيى وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلة بني هاشم ومشايخهم، وجاء يحيى إلى بغداد فأكرمه الرشيد أولا ثم تدخل بينهما رجال السوء، فأراد الرشيد أن ينقض الأمان، فدعا بيحيى ودعا ببعض الفقهاء «منهم أبو البختري القاضي، ومنهم محمد ابن الحسن صاحب أبي حنيفة، وأحضر الأمان الذي كان أعطاه يحيى، فقال لمحمد ابن الحسن ما تقول في هذا الأمان أصحيح هو؟ قال هو صحيح، فحاجه في ذلك الرشيد، فقال له محمد بن الحسن ما تصنع بالأمان؟ لو كان محاربا ثم ولي كان آمنا، فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن، ثم سأل أبا البختري أن ينظر في الأمان، فقال أبو البختري هذا منتقض من وجه كذا وكذا، فقال الرشيد أنت قاضي القضاة، وأنت أعلم بذلك، فمزق الأمان وتفل فيه أبو البختري».

54

ونرى من المؤرخين من تحروا الصدق جهد طاقتهم، ودونوه كما اعتقدوا، ونقدوا فيه بعض أعمال العباسيين على الرغم من أنه ألف تحت سلطانهم.

كما أن من الحق أن نذكر أن العباسيين، وإن تدخلوا في تلوين بعض العلوم ببعض الألوان وكان هذا سيئة من سيئاتهم فلهم محمدة أخرى في تشجيع العلم وتدوينه والمكافأة عليه واستحثاث الهمم لخدمته. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٧٣