والفقه تأثر أيضا بالدولة العباسية في بعض مسائله؛ لأنه مصدر التشريع، والتشريع قد يمس شئون الدولة من قرب أو بعد، قد يمسها في الصميم من أمرها، وقد يمسها في عرض من أعراضها، وكبار الفقهاء قد يقفون في هذه المسائل موقفا لا يرعون فيه إلا الحق فيكونون عرضة لغضب الخلفاء وانتقامهم؛ كالذي يحدثنا به الطبري «أن مالك بن أنس استفتى في الخروج مع محمد بن عبد الله بن الحسن، وقيل له إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: «إنما بايعتم مكرهين، وليس على كل مكره يمين»، فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته».
47
وكان هذا سببا في اضطهاده، ورووا أنه سعي به إلى جعفر بن سليمان عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له إنه لا يرى إيمان بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمرا عظيما».
48
وقال ابن الجوزي في حوادث سنة 147ه: «وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان». فهذه مسالة في الصميم من أمر الدولة، وهي صحة البيعة للعباسيين إذا كان المبايع مكرها - ومثلها ما روي عن أبي حنيفة ومحمد بن إسحق صاحب المغازي، ذلك أن محمد بن إسحق كان يكره أبا حنيفة ويحسده، فوشى به إلى أبي جعفر المنصور، وقال إنه يخالف جدك ابن العباس استثناء المنفصل [لأن أبا حنيفة كان يقول: إذا صدر القول باتا في المجلس فلا يلحقه الاستثناء إذا حصل بعد، وكان ابن عباس يقول إنه يلحقه بعد سنة] فغضب أبو جعفر وقال لأبي حنيفة: أتخالفه؟ فقال لكلام ابن عباس تأويل صحيح، وقد قال
صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين واستثنى فلا حنث عليه، والاستثناء لا يكون إلا موصولا؛ وهؤلاء لا يرون خلافتك ويقولون إنهم بايعوك كرها وتقية؛ فلهم الاستثناء متى شاءوا، ويخرجون به من بيعتك. فغضب المنصور على ابن إسحق.
49
فنرى من هذه القصة - إن صحت - أن من الخلفاء العباسيين من كان يعز عليهم أن يروا فقيها يؤديه اجتهاده إلى مخالفة ابن عباس في آرائه - ولكن لا نستطيع أن نقول إن الفقهاء جميعهم كانوا بمكان من التمسك بالحق يتحملون في سبيله أشد أنواع الأذى - وقد تعرض للخليفة نفسه مسائل شخصية يحتاج فيها إلى مخرج فقهي، ويصور بعض المؤرخين أبا يوسف صورة الذي يحتال الحيل الشرعية ليجد الرشيد فتوى توافق هواه.
50
ولكنا سنبحث ذلك عند الكلام في التشريع - كما تعرض للدولة مآزق يحتاج فيها إلى رأي يسكن الراي العام ويلطف من حدته، كالذي روى الماوردي في الأحكام السلطانية «أنه رفع إلى أبي يوسف القاضي مسلم قتل كافرا فحكم عليه بالقود، فأتاه رجل برقعة فألقاها إليه، فإذا فيها مكتوب:
يا قاتل المسلم بالكافر
جرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها
من علماء الناس أو شاعر
استرجعوا وابكوا على دينكم
واصطبروا فالأجر للصابر
جار على الدين أبو يوسف
بقتله المؤمن بالكافر
فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة، فقال له الرشيد : تدارك هذا الأمر بحيلة
لئلا تكون فتنة؛ فخرج أبو يوسف وطلب أصحاب الدم ببينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يأتوا بها؛ فأسقط القود».
51
وربما كان ذلك وأمثاله سببا في التوسع في الحيل الشرعية، ووضع الكتب فيها وخاصة في مذهب الحنفية، فهم أول من أفردها بالتأليف - فيما أعلم - وسيأتي بحث هذا فيما بعد. •••
وفي النحو واللغة تدخل العباسيون أيضا، فقد كان النزاع فيهما شديدا بين البصريين والكوفيين، فأخذ العباسيون جانب الكوفيين ينصرونهم على البصريين. جاء في كتاب النوادر: «انتقل العلم إلى بغداد قريبا، وغلب أهل الكوفة على بغداد، وخدموا الملوك فقربوهم، فأرغب الناس في الروايات الشاذة، وتفاخروا بالنوادر»،
52
وإنما قال الروايات الشاذة لأن هذا كان أغلب على الكوفيين. جاء في المزهر: «والشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب على من لم يقله»