فرووا الآثار الكثيرة، عن سهل بن سعد وسعيد بن المسيب، وعن يعلى بن مرة، أن المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية ورويت في ذلك الأحاديث الكثيرة مثل قوله
صلى الله عليه وسلم : «رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء». وعن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن إلخ إلخ.
42
وفي مقابل ذلك الأحاديث في التبشير ببني العباس مثل ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
للعباس: «فيكم النبوة والمملكة». وعن ثوبان قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «رأيت بني مروان يتعاورون على منبري فساءني ذلك، ورأيت بني العباس يتعاورون على منبري فسرني ذلك». وعن ابن عباس أن النبي
صلى الله عليه وسلم
قال للعباس: «إذا سكن بنوك السواد ولبسوا السواد، وكانت شيعتهم أهل خراسان، لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم».
43
وعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «منا القائم ومنا المنصور، ومنا السفاح، ومنا المهدي، فأما القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمة دم، وأما المنصور فلا ترد له راية، وأما السفاح فهو يسفح المال والدم، وأما المهدي فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما».
44
وسيأتي تتمة ذلك عند الكلام في الحديث.
ووقف الشيعة موقفا مناقضا لهذا؛ فهم يكرهون الأمويين والعباسيين معا، بل ربما كانت كراهيتهم للعباسيين أشد؛ لما أصاب الأئمة العلويين والعلماء والأدباء الذين شايعوهم من الأذى على يد أبي جعفر المنصور ومن بعده، فرأى طائفة منهم أن يقفوا في التاريخ موقف المتحزب المتعصب، فهاجموا العباسيين كما هاجموا الأمويين من قبل، وأخذوا يكبرون مساويهم بل ويختلقون عليهم، كما ترى أحيانا في تاريخ اليعقوبي أولا، وابن طباطبا آخرا وغيرهما - وإلى ذلك رووا الروايات الكثيرة في فضل علي وآل علي،
45
ورفعوا من شأن الأئمة إلى ما يقرب من التقديس - وكان الأولى لهم أن يقتصروا على فضائلهم الثابتة - وأضافوا أساطير حول آيات من القرآن الكريم، كما فعلوا عند قوله تعالى:
ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا . فقد رووا عن ابن عباس (والرواية هنا ابن عباس لها مغزاها)، أن الحسن والحسين مرضا فعادهما جدهما محمد
صلى الله عليه وسلم
ومعه أبو بكر وعمر، وعادهما من عادهما من الصحابة، فقالوا لعلي: لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة وفضة (جارية لهما) إن برآ مما بهما أن يصوما ثلاثة أيام شكرا، فألبس الله الغلامين العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق علي (رضى الله عنه) إلى شمعون اليهودي الخيبري، فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير، فجاء بها، فقامت فاطمة رضي الله عنها إلى صاع فطحنته وخبزت منه خمسة أقراص على عددهم، وصلى علي مع النبي المغرب، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فوقف بالباب سائل فقير، السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا شيئا إلا الماء، وأصبحوا صياما، وفي الثاني وقف يتيم، ففعلوا به ما فعلوا أولا، وفي اليوم الثالث وقف أسير، ففعلوا كذلك، فلما أصبحوا بعد ثلاثة أيام أخذ علي الحسن والحسين فرآهم رسول الله يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فقال يا أبا الحسن ما أشد ما يسوءني مما أرى بكم، فهبط جبريل ونزلت فيهم سورة «هل أتى»، وذكر الترمذي وابن الجوزي «أن الخبر موضوع ومفتعل وآثار الوضع ظاهرة عليها لفظا ومعنى»
46
إلى كثير من أمثال ذلك.
وهكذا ضاعت معالم الحق بين العصبية العباسية والعصبية العلوية، وصعب على المؤرخ الصادق النزيه أن يصل إلى الحقيقة. •••