وصعد داود بن علي فقام دونه فكان مما قال: «تبا تبا لبني حرب بن أمية وبني مروان، آثروا في مدتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في البلاد، التي بها استلذوا تسربل الأوزار، وتجلبت الآضار، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميادين الغي، جهلا باستدراج الله، وأمنا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون، وأصبحوا أحاديث، ومزقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الظالمين».
33
هذا إجمال فصله المؤرخون، بالحق أحيانا وبالباطل أحيانا، ومن الباطل أن يغضوا عن ذكر محاسن بني أمية، ويقتصروا على مساويهم، ومن الباطل أن يختلقوا اختلاقا، وإلا أفتصدق ما قيل عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك من أنه «أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة؟»
34
أو تصدق ما روي عنه من أنه استفتح فألا في المصحف فخرج:
واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد
فألقاه ورماه بسهام وقال:
تهددني بجبار عنيد
نعم أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم بعث
فقل يا رب خرقني الوليد
ذلك قول لا يسيغه العقل من خليفة المسلمين مهما بلغ من فسقه وفجوره؛ ولذلك قال الذهبي: «لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة بل اشتهر بالخمر والتلوط».
ومن ذلك ما يروون أن هشام بن عبد الملك دعا حمادا فسأله عن بيت ومن قاله وفي أية قصيدة فأجابه، فأمر هشام جواريه أن يسقين حمادا، فما زلن يسقينه حتى ذهب عقله إلخ. ويعلق صاحب الأغاني على هذا الخبر بأن هشاما لم يكن يشرب ولا يسقي أحدا بحضرته مسكرا، وكان ينكر ذلك ويعيبه ويعاقب عليه».
35
وقال أبو عبيدة: دخل أبو عمر بن العلاء على سليمان بن علي - وهو عم السفاح - فسأله عن شيء فصدقه، فلم يعجبه ما قاله، فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج وهو يقول:
أنفت من الذل عند الملوك
وإن أكرموني وإن قربوا
إذا ماصدقتهمو خفتهم
ويرضون مني بأن يكذبوا
36
وفي سنة إحدى عشرة [ومائتين] أمر المأمون بأن ينادى «برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير»
37
إلى كثير من مثل ذلك.
ومن ناحية أخرى تقرب المؤرخون بذكر محامد بني العباس، وإعلاء شأنهم، وعاقبوا من تعرض لذكرهم بسوء؛ من ذلك ما روي عن الهيثم بن عدي الراوية الإخباري «وكان يتعرض لمعرفة أصول الناس ونقل أخبارهم، فأورد معايبهم وأظهرها ... ونقل عنه أنه ذكر العباس بن عبد المطلب بشيء؛ فحبس لذلك عدة سنين»
38
فوضعت الأساطير حول العباس، وعبد الله بن العباس، وغيرهما من آل العباس؛ من مثل ما يروى أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس عام الرمادة لما اشتد القحط، فسقاهم الله تعالى به، وأخصبت الأرض، فقال عمر هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه - ولما سقى الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين؛
39
ومن مثل أن عبد الله بن عباس لما مات والناس في جنازته جاء طائر أبيض يقال له الغرنوق فدخل في النعش فلم ير بعد.. إلخ.
40
وتصوير بعض المؤرخين له بأنه سياسي محنك قدير كان يرسم الخطط لعلي بن أبي طالب، مع أن أكبر مزية له في الواقع هي سعة علمه، إلى غير ذلك.
وقد جد علماء السوء في وضع الأحاديث لتأييد هذا النظر، وهو الحط من شأن الأمويين، وإعلاء شأن العباسيين، وملئت الكتب بها ، مثل أن رجلا قام إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال سودت وجوه المؤمنين، فقال لا تؤنبني فإن النبي
صلى الله عليه وسلم
رأى بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت:
إنا أعطيناك الكوثر
ونزلت «إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، يملكها بعدك بنو أمية يا محمد»
41 - واستغلوا قوله تعالى:
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن