تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلوا الطريق لمعشر عاداتهم

حطم المناكب كل يوم زحام

ارضوا بما قسم الإله لكم به

ودعوا وراثة كل أصيد حام

أنى يكون وليس ذاك بكائن

لبنى البنات وراثة الأعمام؟

ويقول الأغاني في ترجمة منصور النمري إنه أراد أن يتصل بالرشيد «وعرف مذهبه في الشعر وإرادته أن يصل مدحه إياه بنفي الإمامة عن ولد علي بن أبي طالب والطعن عليهم، وعلم مغزاه في ذلك مما كان يبلغه من تقديم مروان بن أبي حفصة وتفضيله إياه على الشعراء في الجوائز؛ فسلك مذهب مروان في ذلك ونحا نحوه، ولم يصرح بالهجاء والسب كما كان يفعل مروان، ولكنه حام ولم يقع، وأومأ ولم يحقق؛ لأنه كان يتشيع، وكان مروان شديد العداوة لآل أبي طالب، وكان ينطق عن نية قوية يقصد بها طلب الدنيا فلا يبقي ولا يذر».

30

وهكذا كان أقرب الشعراء إلى نفوس الخلفاء من عرف ما في نفوسهم. وأكثر من مدحهم ونال من عدوهم؛ فالشعراء العلويون موضع نقمة العباسيين واضطهادهم وتشريدهم.

وليست كل العلوم بمثابة واحدة في الاتصال بالسياسة وشئون الدولة والتأثر بها، فهناك - مثلا - علوم الرياضة والطب والمنطق والطبيعة؛ فهي علوم مستقلة لا نعلم لها اتصالا بالسياسة وتصرفاتها، ولكن بجانب ذلك نرى التاريخ - مثلا - من أشد العلوم اتصالا بالسياسة، وكذلك كان في العصر العباسي كثيرا مايتخذ وسيلة من وسائل الدعوة، وكان بعض المؤرخين يتقربون إلى الخلفاء بروايتهم ما يرضيهم.

روى الطبري عن محمد بن عمر عن حفص قال: «كان هشام الكلبي صديقا لي، فكنا نتلاقى فنتحدث ونتناشد، فكنت أراه في حالة رثة، وفي أخلاق،

31

وعلى بغلة هزيلة، والضر فيه بين على بغلته، فما راعني إلا وقد لقيني يوما على بغلة شقراء من بغال الخلافة، وسرج ولجام من سروج الخلافة ولجمها، في ثياب جياد ورائحة طيبة، فأظهرت السرور، ثم قلت له: أرى نعمة ظاهرة! قال لي نعم أخبرك عنها فاكتم، بينا أنا في منزلي منذ أيام بين الظهر والعصر إذ أتاني رسول المهدي فسرت إليه، ودخلت عليه وهو جالس خال، ليس عنده أحد، وبين يديه كتاب، فقال: ادن يا هشام، فدنوت فجلست بين يديه فقال خذ هذا الكتاب فاقرأه ولا يمنعك ما فيه - مما تستفظعه - أن تقرأه؛ قال فنظرت في الكتاب، فلما قرأت بعضه استفظعته فألقيته من يدي ولعنت كاتبه؛ فقال لي قد قلت لك إن استفظعته فلا تلقه، اقرأه بحقي عليك حتى تأتي على آخره، قال فقرأته فإذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلبا عجيبا لم يبق له فيه شيئا، فقلت يا أمير المؤمنين من هذا الملعون الكذاب؟ قال هذا صاحب الأندلس، قال قلت فالثلب والله يا أمير المؤمنين فيه وفي آبائه وفي أمهاته، قال ثم اندرأت أذكر مثالبهم؛ قال فسر بذلك، وقال أقسمت عليك لما أمللت مثالبهم كلها على كاتب؛ قال ودعا بكاتب من كتاب السر، فأمره فجلس ناحية وأمرني فصرت إليه، فصدر الكاتب من المهدي جوابا، وأمللت عليه مثالبهم فأكثرت، فلم أبق شيئا حتى فرغت من الكتاب ثم عرضته عليه فأظهر السرور، ثم لم أبرح حتى أمر بالكتاب فختم، وجعل في خريطة، ودفع إلى صاحب البريد، وأمر بتعجيله إلى الأندلس؛ قال ثم دعا بمنديل فيه عشرة أثواب من جياد الثياب، وعشرة آلاف درهم، وهذه البغلة بسرجها ولجامها، فأعطاني ذلك وقال لي اكتم ما سمعت».

32

وقد كان من أهم ما حارب به العباسيون الأمويين التأثير في المؤرخين حتى يصبغوا لون الأمويين بلون قاتم مظلم، ولون العباسيين بلون زاهر ناضر.

لقد وضع الخلفاء الأولون من بني العباس وآلهم البرنامج للمؤرخين في الطعن في بني أمية؛ فسار المؤرخون على منهاجهم، وتوسعوا في تكميل خططهم، فقد صعد أبو العباس المنبر وخطب الناس فكان مما قاله: «ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا».

ضحى الإسلام · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٦٩