والذي يهمنا الآن أن نقول: إن اقتران نشاط مصانع الورق وكثرتها ورخص أثمانها - بحركة العلم وتدوينه في العصر العباسي - كان أمرا لابد منه في وصول العلم إلى النحو الذي وصل إليه، وما كان يصل إلى ذلك القدر من الرقي لو ظلت أدوات الكتابة على حالتها الأولى من السذاجة أو الغلاء، بل إن الأدب أيضا مدين لهذه الصناعة، فقد كثر الكتاب وخلفوا لنا آثارا قيمة واستعملوا الورق في كتابة الرسائل الرسمية، ورسائل الاعتذار والحب وما إلى ذلك، مما لم يكن يكون لولا الورق - ولو كان في العصر الجاهلي أو صدر الإسلام ورق دونت فيه الأحداث الجاهلية والإسلامية لكان شأن المؤرخين في ذلك غير شأنهم اليوم.
وقد نتج عن هذا الورق وتدوين العلوم فيه وجود الكتب وخزائنها، وأصبحت المكاتب منذ العصر العباسي الأول مصدرا عظيما للثقافة .
ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن كان من جراء كثرة الورق والكتابة فيه، والكتب المؤلفة نشوء صناعة «الوراقة»، وهي صناعة كان يقوم أصحابها بنسخ الكتب وتصحيحها وتجليدها، ونحو ذلك مما يتعلق بالكتب؛ وقد انتشر في هذا العصر دكاكين الوراقين، وكانت مصدرا من مصادر انتشار الثقافة؛ فإنهم ينسخون الكتب ويصححونها ويجلدونها ويبيعونها للناس فتنتشر في الأقطار المختلفة، وكان المتعلمون يذهبون إلى دكاكين الوراقين يطالعون فيها الكتب، «حدث أبو هفان قال: لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري
دكاكين الوراقين
ويبيت فيها للنظر».
29
وقد ذكر اليعقوبي أنه كان في عصره (توفي سنة 278ه) أكثر من مائة وراق في بغداد - وكان من هؤلاء الوراقين علماء مجيدون، منهم بعد عصرنا ابن النديم صاحب الفهرست، ثم ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان، ومعجم الأدباء.
ويسلمنا هذا البحث - بحث تكون العلوم في العصر العباسي - إلى بحث آخر، وهو هل للدولة العباسية أثر في تلوين العلوم كلها أو بعضها لونا خاصا ولم يكن يتلون به لو نشأ في دولة غيرها؟ هل لو كان العلم دون في العهد الأموي أو في الأندلس أو في دولة شيعية كان يتخذ شكلا آخر؟ وهل كان العلماء الذين دونوا العلوم متأثرين بأنهم تحت ولاية العباسيين وسلطانهم، أو كانوا مستقلين تمام الاستقلال؟ إلى نحو ذلك من الأسئلة التي تدور حول نقطة واحدة.
والذي يظهر لي أن العلم تأثر بالدولة العباسية تأثرا كبيرا، بعض هذا الأثر واضح ينكشف بأقل بحث، وبعضه غامض عميق لا ينجلي إلا بطول النظر وإعمال الفكر؛ ذلك أن الدولة العباسية كان موقفها - وقت تدوين العلوم - موقف الذي يهدم دولة كانت قوية عظيمة هي دولة الأمويين، استمرت في الحكم نحو مائة عام، وكان من رجالها عظماء، كمعاوية عبد الملك بن مروان وهشام، شيدوا الملك وأسسوه على دعائم ثابتة، وتغلغلت سلطتهم في مناحي الحياة، فجاء العباسيون يهدمون هذا البناء من أساسه، ويقيمون دولة جديدة على نظام خاص غير الذي عرفه الأمويون.
وكان أمام العباسيين شيعة يرون أن آل العباس اغتصبوا الخلافة منهم، وأن أحق الناس بالخلافة آل أبي طالب لا آل العباس.
وكان هناك مذاهب كالخوارج والمرجئة وما إليهما، هي مذاهب دينية في الظاهر ولكنها كثيرا ما تتعرض للسياسة، ولها رأي قد يخالف رأي الدولة وقد يوافقها؛ كل هذا - من غير شك - كان يصطدم بالعمل أحيانا اصطداما عنيفا، ويخلق مشاكل في نهاية التعقيد، تقف أمام العلماء يحاولون حلها، وليس كل العلماء في أي وقت وفي أية أمة بالذين يتنزهون جميعا عن الغرض دائما، ولا يغرهم المال والجاه أبدا، فكان من بين العلماء من استمسك بالحق وخالف تعاليم الدولة وميولها، وتعرض للعذاب، ومنهم من شايعها وأخذ يؤيد بعلمه وجهة نظرها، فأغدقت عليه مالها، وكذلك الشأن في الأدب، لقد كان أحب الشعراء للرشيد مروان بن أبي حفصة؛ لأنه كان يصل مدح الرشيد بالتعريض بالشيعة من مثل قوله: