تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21

قال الأعشى:

سلا دار ليلى هل تبين فتنطق

وأنى ترد القول بيضاء سملق

22

وأنى ترد القول دار كأنها

لطول بلاها والتقادم مهرق

وعلى كل حال فهذه العسب واللخاف والرق والمهرق لا تساعد على انتشار العلم؛ لقلتها وعدم صلاحيتها وغلاء ثمن بعضها، فهي لا تصلح لشعب يريد أن يتعلم ويدون العلم، خصوصا وطبقة العلماء طبقة فقيرة غالبا.

فلما فتح العرب مصر كثر استخدامهم لورق البردي ونشروه في أنحاء المملكة الإسلامية،

23

وقد اشتهرت مصر بهذه الصناعة من عهد قدماء المصريين، واستمرت مصانع الورق على عملها بعد فتح العرب لها، وكان الوليد بن يستعمله في شئونه الخاصة، وكان عبد الملك (86-96) الخلفاء يفضلونه على غيره من أنواع الورق؛ لأنه لا يمكن محو ما فيه من غير أن يعرف؛ وأكثر المصانع كانت في الوجه البحري لكثرة ما فيه من نبات البردي، وكانوا يصنعونه أنواعا: منه ما نعم وغلا، ومنه ما خشن ورخص، ويصنعونه أدراجا يلف كل درج منها، وقد حدث الكندي (صاحب كتاب ولاة مصر وقضاتها) عن درج طويل يقرب من خمسة عشر مترا، وكان يباع الدرج حول سنة 184ه من النوع الجيد بدينار ونصف دينار، وهو ثمن غال خصوصا إذا لاحظنا أن هذا القدر يدفع إيجارا لفدان صالح للزراعة مدة عام، وقد أصدر عمر بن عبد العزيز أمره بالاقتصاد في استعمال الورق؛

24

وشكا أبو نواس حاجته إلى الورق فقال:

أريد قطعة قرطاس فتعجزني

وجل صحبي القراطيس

لحاهم الله عن ود ومعرفة

إن المياسير منهم كالمفاليس

وكان من أهم مراكز الورق المصنوع من البردي مدينة بورة

25 - وهي مدينة على ساحل البحر قرب دمياط.

وكان في مصر بجانب البردي نوع من القماش يكتب عليه، وكانت مصانعه في أبو صير وسمنود؛ وبدار الكتب المصرية حجج كتبت على هذا القماش.

واستعمل البردي في العراق، ووجد درب في بغداد سمي «درب القراطيس»، ووجدنا بعض الأشخاص ينتسبون إليه مثل إسماعيل القراطيسي؛ وقد كانت الصين معروفة كذلك من قديم بصناعة الورق، وعرف عند المسلمين الورق الصيني، وكانوا يصنعونه من الحشيش والكلأ، وفي سنة 134ه غزا خالد بن إبراهيم أهل «كش» من أرض الصين «وأخذ منهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة ما لم ير مثلها ومن السروج ومتاع الصين كله من الديباج والطرف شيئا كثيرا، فحمل إلى أبي مسلم (الخراساني) وهو بسمرقند»،

26

وقد أخذ أسارى من الصين ووضعوا في سمرقند فبدءوا يصنعون الورق الصيني فيها - وانتشرت في الدولة العباسية أنواع من الورق، الورق الفرعوني (نسبة إلى فرعون مصر)، والورق السليماني (نسبة إلى سليمان بن راشد عامل الخراج على خراسان لهارون الرشيد)، والورق الجعفري (نسبة لجعفر البرمكي)، والورق الطلحي (نسبة لطلحة بن طاهر)، والورق الطاهري (نسبة إلى طاهر بن الحسن) - وانتشرت مصانع الورق في سمرقند، وفي دار الخز ببغداد وفي تهامة واليمن ومصر، وفي دمشق وطرابلس وحماة ومنبج وفي المغرب والأندلس - وصنعوا في القرن الثاني من الهجرة الورق من الخرق، وذاع استعماله، وفاق غيره من أنواع الورق.

27

ويقول صبح الأعشى: «أجمع رأي الصحابة (رضى الله عنهم) على كتابة القرآن في الرق لطول بقائه أو لأنه الموجود عندهم حينئذ، وبقي الناس على ذلك إلى أن ولي الرشيد الخلافة، وقد كثر الورق وفشا عمله بين الناس، فأمر ألا يكتب الناس إلا في الكاغد؛ لأن الجلود ونحوها تقبل المحو والإعادة فتقبل التزوير، بخلاف الورق فإنه متى محي منه فسد، وإن كشط ظهر كشطه؛ وانتشرت الكتابة في الورق إلى سائر الأقطار، وتعاطاها من قرب ومن بعد، واستمر الناس على ذلك إلى الآن».

28

وقد وصلت إلينا مجموعة من الورق والرق والحجارة على اختلاف أنواعها، حفظت في دار الكتب المصرية وغيرها من دور العلم، وجد الباحثون من المستشرقين في دراستها، من دارس للخط العربي وتطوره، ومؤرخ يقارن بين ما فيها وما في كتب التاريخ، ومستنتج ما تدل عليه من ظواهر اجتماعية واقتصادية، وكيماوي يحلل ليعلم مم تكونت وكيف صنعت إلخ.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٦٧