14
وعلى هذا فقد كانت الحضارة في العراق أيام العباسيين أتم منها في دمشق أيام الأمويين، والمال أكثر، فكانت الصنائع أتم والعلم أوفر.
على أن هناك أسبابا أخرى في عصرنا هذا غير الأسباب العامة من كثرة العمران ونحوها.
منها: انتقال الخلفاء إلى العراق وتأسيس بغداد فيه، وقد كانت العراق أوفر حضارة، ومن قديم كانت العراق تفخر على الشام بعلومها حتى في العهد الأموي كما سيأتي.
15
ومنها: أن الدولة العباسية أصبحت الغلبة فيها للفرس وغيرهم، ولم تعد الأمور كلها بيد العرب كما كان في العهد الأموي؛ فأمسك هؤلاء بزمام شئون الدولة ومنها العلم، وقد كان الفرس قد قطعوا المراحل الأولى للعلم وكادوا يصلون إلى آخرها، وكذلك شأن النساطرة وأمثالهم، فلما أعطوا الحرية اللازمة للعلم نهضوا به وقادوا حركته على مثل المنهج الذي كانوا يسيرون عليه في أممهم قبل الإسلام.
ومنها: أن مرور أكثر من قرن على ظهور الإسلام وانتشاره، وفتوح البلدان وحكمها بيد العرب مكن من ظهور جيل من أبناء الفرس والروم وغيرهما، نشأ في بلاد إسلامية وأصبح مسلما إما باعتناق الدين أو بالمربى، وصار يجيد العربية كأهلها، وجمع إلى ذلك ثقافته بلغة آبائه، فأنشأ باللغة العربية ما كان يكتبه آباؤه باللغة الفارسية أو اليونانية، ودون في العلوم العربية على النحو الذي كانت تدون به العلوم من في اللغات الأخرى.
ومنها: أن الحياة الاجتماعية بالعراق واختلافها عن الحياة الاجتماعية في الشام جعلت الحاجة ماسة لنوع من العلوم كان لابد منه، فدجلة والفرات تلجئ حتما إلى نظام في الري غير الذي في الشام وجزيرة العرب، وهذا يلجئ حتما إلى النظر في الخراج نظرا جديدا كان له من غير شك أثر في كتاب الخراج لأبي يوسف، واختلاف الحياة في البصرة والكوفة جعل هناك خلافا طبيعيا بين مدرستي البصرة والكوفة في النحو واللغة والأدب وغيرها.
ومنها: أن هناك عوامل شخصية أثرت في العلم لو لم تحدث لأخرت سير العلم بعض الزمن، كالذي كان من أبي جعفر المنصور؛ فضعف معدته جعله يهتم كثيرا بالطب ويستدعي الأطباء على اختلاف مللهم ونحلهم ويصغي إليهم ويشجعهم على البحث في الطب والتأليف فيه، فكان هذا نواة للعلوم العقلية، ومثل ذلك اعتقاده في التنجيم، أي أن هناك ارتباطا بين حركات النجوم وأحداث الأرض؛ فاهتم بذلك وبنى عليه بعض أعماله كتخطيط مدينة بغداد، واختياره الوقت الملائم وهكذا.
ومنها - وهو فوق ذلك كله - أن الأمة الإسلامية كانت قد مرت بطور المسائل الجزئية المبعثرة، فكان لزاما أن يسلمها ذلك إلى الطور الآخر؛ طور التنظيم وتدوين العلوم وتميزها - ولكن يجب أن نلاحظ هنا أن العلوم التي انتقلت هذا الانتقال إنما هي العلوم النقلية من علوم دينية ولغوية وأدبية؛ أما العلوم العقلية من طب ومنطق ورياضة ونحوها فقد بدأت في الأمة الإسلامية منظمة؛ لأن الأدوار الأولى - أدوار الأبحاث الجزئية - كانت قد قطعت من أزمان بعيدة في أممها كاليونان والهند والفرس، وكانت قد وصلت إلى مرحلة التنظيم والتدوين والتبويب، فلما نقلت في العصر العباسي إلى اللغة العربية نقلت بهيئتها الكاملة، ولم تحتج إلى أن تمر بالمراحل الطبيعية من جديد، ولعل المؤلفين بعد في العلوم النقلية لما رأوا العلوم العقلية منظمة هذا النظام اقتبسوا منه في علومهم، وأدخلوا عليها ما استحسنوا من النظم. •••
وقد كان لكل من العلوم النقلية والعقلية منهج في البحث والتأليف خاص، فأما منهج البحث والتأليف في العلوم النقلية فاعتماد على الرواية وصحة السند، فالمؤلفون في التفسير في ذلك العصر يعتمدون على نقل ما روي من تفسير الآيات عن الصحابة والتابعين، فإن زادوا شيئا فترجيح أحد هذه الأقوال - وكذلك الشأن في الحديث، أهم ما يشغل المحدث جمع الأحاديث وامتحان أسانيدها لمعرفة جيدها من رديئها وهكذا، ومثل ذلك يقال في علم اللغة والأدب؛ إذ هما تأثرا بالعلوم الدينية، ونمط الرواية فيهما نمط الرواية في الحديث، فاللغوي يروي ما سمع من أعرابي أو عالم، وكثيرا ما يذكر السند كما يذكره المحدث مثل الذي نرى في كتاب الأغاني.