كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة).
10
من هذا النص ترى مصداق ما ذكرنا من أن العلم في العهد الأموي كان رواية العلماء من حفظهم أو من صحف جمعت حيثما اتفق، فالصحيفة قد يكون فيها حديث ومسألة فقهية، ومسألة نحوية، ومسألة لغوية. ومجالس العلماء كذلك. يروى عن عطاء أنه قال: «ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس أكرم فقها وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع»
11 - فلما جاء العصر العباسي ميزت العلوم وجمعت مسائل كل علم على حدتها، بل ووضعت المسائل المتشابهة تحت باب واحد.
كذلك نرى العلم في العصر الأموي كانت نواته القرآن والحديث، فكل مسائل العلم تقريبا تدور حول هذه النواة؛ منهما يستنبط الفقه، ولأجلهما يروى الشعر، وبسببهما تبحث مسائل النحو. وعلى الجملة فالحركة العلمية كلها دينية إلا القليل؛ أما في العصر العباسي فقد ظلت هذه النواة - وإن اتخذت البحوث حولها شكلا آخر - ولكن وجدت بجانب هذه النواة نواة أخرى تجمعت حولها العلوم الدنيوية، وهي نواة الطب؛ فقد أسس النساطرة بمعاونة اليهود مدرسة للطب بجند يسابور، وأيدهم الخلفاء العباسيون، وقد كانت هذه المدرسة الطبية وارثة الطب اليوناني والفلسفة اليونانية في الشرق، وحول هذه الدراسة الطبية تكونت دراسة الطبيعة والكيمياء والهيئة، بل والمنطق والإلهيات، وكانت الثقافة الطبية تتطلب كل هذه الفروع، وبرنامجها يسع كل هذه الأشياء، كما نلاحظ هذا حتى في فلاسفة المسلمين أمثال الفارابي وابن سينا؛ فكلاهما طبيب فيلسوف.
من أجل هذا نرى نوعين من الدراسة في هذا العصر: دراسة دينية حول القرآن والحديث، ودراسة دنيوية حول الطب، ولكل نوع مميزات خاصة ومنهج في البحث خاص، وإن أثر كل منهما في الآخر وتأثر به.
وقد عبر ابن خلدون عن هذين النوعيين تعبيرا صادقا؛ إذ قال: «إن العلوم صنفان: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره،
وصنف نقلي
يأخذه عمن وضعه، والأول هي العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها، وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر؛ والثاني هي العلوم النقلية الوضعية؛ وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول».
12
وقد لاحظ كذلك ملاحظة دقيقة وهي أن العلوم العقلية أو الطبيعية مشتركة بين الأمم؛ لأن الإنسان يهتدي إليها بطبيعة فكره «وأما العلوم النقلية كلها فمختصة بالملة الإسلامية وأهلها».
13 •••
في هذا العصر كما لاحظ الذهبي وضعت في اللغة العربية أسس كل العلوم - تقريبا - فقل أن نرى علما إسلاميا نشأ بعد ولم يكن قد وضع في العصر العباسي، وضع تفسير القرآن، وجمع الحديث ووضعت علومه، ووضع علم النحو، وألف فيه سيبويه كتابه الخالد، ووضعت كتب اللغة ورسم خطتها الخليل بن أحمد كما وضع العروض، ودونت أشعار العرب في المعلقات التي دونها حماد الرواية والمفضليات التي دونها المفضل الضبي، والأصمعيات التي دونها الأصمعي، ووضع الجاحظ أساس الكتب الأدبية، وحذا حذوه ابن قتيبة والمبرد وغيرهما، ودون الفقه على يد الأئمة وتلاميذهم، ودون التاريخ الواقدي وابن إسحاق وأمثالهما - هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى ترجمت كتب الفلسفة من منطق ورياضة وهيئة وطب غيرها، وبدأ العلماء يؤلفون فيها، فماذا جد بعد ذلك من علوم لم تكن في هذا العصر؟ إنما جد بعد ذلك توسيع هذه العلوم وزيادة جزئياتها، وإجادة تأليفها أو ضعفه، ومعالجة أنفع أو أضر. •••
يصح لنا بعد ذلك أن نتساءل عن العوامل التي سببت هذا التطور ونشأ عنها تنظيم العلوم وتدوينها - أولا - وزيادة فروعها ووجود النواة الأخرى وهي نواة العلوم الدنيوية - ثانيا - يرى ابن خلدون أن العلم يكثر حيث يكثر العمران؛ لأن العلم شأنه شأن الصنائع بل هو صناعة «والصنائع إنما تكثر في الأمصار، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة؛ لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان وفي العلوم والصنائع».