تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما العلوم العقلية كالطبيعة والرياضة والطب فأكثر ما تعتمد على معقولية الحقائق وامتحانها إما من طريق المنطق وإما من طريق تجربة الحقائق وامتحانها عمليا، فإذا ذكرت حقيقة فقلما يعنون بقائلها، ولكنهم يعنون بوضعها تحت قواعد المنطق، وهل من قوانينه ما يؤيدها أو ما ينقضها، وكذلك قد يمتحنونها عمليا ليرقبوا نتيجتها؛ فيحكموا عليها بالخطأ أو الصواب.

وهناك علوم أخذت بشبه من المنهجين كالفقه بعد العصر الأول؛ فكثير من الفقهاء لم يعتمد على المنهج الأول من الاستدلال بآية أو حديث فقط، بل استعمل الدليل المنطقي في تأييد مذهبه والرد على خصومه، ومن ذلك النحو بعد عصره الأول كذلك؛ فأصبحت المسألة لا يحتج فيها بالسماع من الأعراب فحسب بل بالبرهان العقلي أيضا.

وهذا الاختلاف بين المنهجين طبيعي؛ ففي المسائل الدينية وشبهها متى ثبت النص عن الشارع فلا مجال للعقل، وفي العلوم العقلية مجال العقل واسع المدى لا يحده إلا البرهان على الخطأ أو الصواب - ولنسق مثلا لكل من المنهجين، مثال المنهج الأول: قال تعالى:

وله من في السماوات والأرض ومن عنده لايستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ... لا يستنكفون عن عباداتهم إياه ولا يعيون من طول خدمتهم له.. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، حدثني علي، قال حدثنا عبد الله، قال حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس (رضى الله عنه) قوله:

ولا يستحسرون . لا يرجعون - حدثنا بشر، قال حدثنا يزيد، قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله لا يستحسرون، قال لا يعيون. حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله

لايستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، قال: لا يستحسرون لا يملون ذلك الاستحسار، قال ولا يفترون ولا يسأمون هذا كله معناه واحد والكلام مختلف، وهو من قولهم بعير حسير إذا أعيا وقام، ومنه قول علقمة بن عبدة:

بها جيف الحسرى فأما عظامها

فبيض وأما جلدها فصليب

16

ومثال المنهج الثاني: «واعلم أن هذه المعلومات التي تسمى أوائل في العقول إنما تحصل في نفوس العقلاء باستقراء الأمور المحسوسة شيئا بعد شيء، وتصفحها جزءا بعد جزء، وتأملها شخصا بعد شخص، فإذا وجدوا منها أشخاصا كثيرة يشملها صفة واحدة حصلت في نفوسهم - بهذا الاعتبار - أن كل ما كان من جنس ذلك الشخص ومن جنس ذلك الجزء هذا حكمه، وإن لم يكونوا يشاهدون جميع أجزاء ذلك الجنس وأشخاص ذلك النوع، مثال ذلك أن الصبي إذا ترعرع واستوى وأخذ يتأمل أشخاص الحيوانات واحدا بعد واحد فيجدها كلها تحس وتتحرك فيعلم أن كل ما كان من جنسها هذا حكمه، وكذلك إذا تأمل كل جزء من المال - أي إن كان - وجده رطبا سيالا، وكل جزء من النار فوجده حارا محرقا، وكل جزء من الأحجار فوجده صلبا يابسا، علم عند ذلك أن كل ما كان من ذلك الجنس فهذا حكمه، فبمثل هذا الاعتبار تحصل المعلومات في أوائل العقول بطريق الحواس متفاوتة».

17

وكان لكل منهج أثر كبير في أصحابه من حيث الأخلاق العلمية والصفات العقلية، فالأولون قصروا اتجاههم على التحقق من صحة النقل، ولم يحكموا كثيرا مقياس العقل، وكرهوا أن يصغوا إلى نقد الناقد يحكم المنطق في علمهم، والآخرون أطلقوا لعقلهم العنان، ولم يشاءوا أن يقتصروا في ذلك على دائرة أبحاثهم - وظلوا في أمن وطمأنينة ما استعملوا منهجهم في الطب والرياضة والمنطق، ولكنهم يقتنعوا بذلك، بل حاولوا أن يطبقوه على علم الكلام والفقه والنحو بل واللغة، فكان صدام عنيف بين الطائفتين، ورمى الأخلاق الآخرين بالزندقة والإلحاد، كما رمى الآخيرون الأولين بالجمود والتزمت؛ وكان أظهر من يمثل الأولين علماء الحديث، ومن يمثل الأخيرين علماء الكلام، وكان من وراء ذلك كله صراع بلغ حد سفك الدماء أحيانا كما سنعرض له بعد.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٦٥