ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا * وخلقناكم أزواجا
الآية. فجاء أرباب الديانات الأخرى في العصر العباسي يريدون أدلة عقلية مؤسسة على منطق أرسطو، فيها مقدمة صغرى وكبرى، مستوفيتان للشروط، وفيها نتيجة كذلك؛ فتحولت الدعوة الدينية إلى علم الكلام، وتأثر تفسير القرآن وتفسير الحديث والتشريع بهذا الأثر الفلسفي، ورأينا العلماء يجتهدون في شرح كل ما يعرض لهم من ذلك بعلل عقلية وعبارات منطقية - وإذا كان هذا في العلوم الدينية فالأمر في العلوم الدينوية أشد وضوحا؛ فالطب والرياضة والهيئة وغيرها اعتمدت كل الاعتماد على التجارب وأقوال العلماء وبراهين المنطق. وهذه - على العموم - ظاهرة جديدة في العصر العباسي وإن كانت نتيجة طبيعية لحياة الناس وسيرهم العقلي. •••
ومن ناحية أخرى يرى بعض مؤرخي العلم
9
أن العلم في طوره الأول لا يكون منظما. يبحث في مسائل متفرقة لا تستقصى ولا تؤلف بينها وحدة، أكثر ما يعتمد فيها على الروايات وآراء المفكرين قبلهم، مسائل العلم مبعثرة، والعلماء أنفسهم مبعثرون، والعلم شيء واحد ليس ذا فروع، فكل ما يفكر فيه عقل الإنسان هو العلم، كالذي سمي عند اليونان «فلسفة»؛ فقد شملت أبحاثها كل ما خطر بالعقل البشري. ثم يتقدم العلم، وتتسع - بعض الشيء - دائرة المعلوم، وتضيق - بعض الشيء - دائرة المجهول، وكلما حلت مسألة أضيفت إلى مجموع المعارف وعلمت للناس.
وكلما تقدم العلم مال إلى الامتحان والجزم، ولم يكتف بالاعتماد على أقوال الرواة وآراء السابقين، حتى إذا قطع في هذا شوطا بعيدا دخل في طور التنظيم، وجمعت المسائل المتعلقة بموضوع واحد في مجموعة واحدة، وكونت فرعا مستقلا بعض الاستقلال، ويلاحظون كذلك أن فكر الإنسان اتجه أولا إلى الطبيعة ومظاهرها ثم انتقل إلى النظر في الإنسان ودراسته، وبعد ذلك تميزت العلوم ونظمت.
فإذا نحن نظرنا في ضوء هذا إلى العرب وجدنا معلوماتهم في الجاهلية مبعثرة، نظرات في الطبيعة ونظرات في الإنسان لا تربطها رابطة، وتجارب يرويها الخلف عن السلف من غير امتحان، طب موروث وكهانة مألوفة، وقول في النجوم والأنواء والرياح سمعه جيل عن جيل، ورواية للشعر لا تعتمد على درس أو امتحان وهكذا، وكل شخص راق يعرف هذه الأشياء جملة على أنها معلومات ثابتة، وأحاديثهم من هذا القبيل فيها كل شيء وليس فيها شيء دقيق منظم؛ حتى إذا جاء العصر الذي يليه من عصر الخلفاء الراشدين وإلى قبيل الدولة العباسية رأينا العلم السائد هو العلم الديني كما ذكرنا، ورأينا المسائل تبحث بنظر أدق، ولكن لم نجد العلوم كذلك متميزة، فليس علم مستقل اسمه التفسير، ولا علم مستقل اسمه الفقه وهكذا، ولا العلماء كذلك؛ فابن عباس يتكلم في مجلس واحد في مسائل متنوعة في فروع متعددة وكذلك غيره، والثقافة كتلة واحدة ممتزجة من تفسير وحديث وفقه وما يلزمها من لغة وشعر، كلها تلقى في درس واحد ليس ذا فروع ولا لكل فرع اسم، والذين يجمعون الحديث لا يبوبونه، ولا يضعون الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد تحت باب واحد، ولم يكن تأليف بالمعنى المنظم الذي رأيناه بعد في العصر الذي وليه.
حتى استهل القرن الثاني فرأينا الاتجاه يتجه إلى تمييز العلوم بعضها عن بعض، وتم ذلك في أوائل العصر العباسي، قال الذهبي: (في سنة 143 شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي ، وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم، والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر