تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 - وكانت الكهانة والعرافة نظاما من نظم حياتهم، يفزعون إلى الكهان والعرافين في منازعاتهم وخصوماتهم، ويرون أن لهم صلة بالجن يأخذون عنهم، وقد اشتهر بينهم كهان كثيرون كان لهم مقام سام بينهم - كل هذا وأمثاله كان فاشيا بين القبائل، ونظاما عاما عند الطبقات المختلفة، قد خضعت حياتهم للتفاؤل والتشاؤم، وأسرعوا في تصديق ما يروى لهم وضعف تعليلهم للأحداث إلا في القليل النادر؛ مما يدل على أنهم لم يعدوا هذا الطور الذي ذكرنا.

ولكن يظهر أنهم قبل الإسلام كانوا في آخر هذه المرحلة؛ فإنا نرى كثيرين قبيل البعثة قد دخلوا في طور البحث والشك، شك فيما عليه قومهم من دين وخرافات وأوهام، وبحث وراء الحق، مثل زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى؛ «فقد اعتزل عبادة الأوثان وامتنع من أكل ذبائحهم، وكان يقول: يا معشر قريش أيرسل الله قطر السماء، وينبت بقل الأرض ويخلق السائمة فترعى فيه، وتذبحوا لغير الله».

6

ورووا أنه خرج إلى الشام يسأل اليهود والنصارى عن دينهم لعله يصل إلى ما يثلج صدره، ويذهب شكه - وكذلك «ورقة بن نوفل» ذكروا أنه كره عبادة الأوثان، وطلب الدين في الآفاق، وقرأ الكتب - وهكذا روت لنا الكتب طائفة كثيرة في هذا العصر شكت وبحثت، وقالت الشعر في شكها، وتنديدها بالأصنام وكرهها لما عليه قومهم من عادات غير معقولة كالذي يقول:

لا در رجال خاب سعيهم

يستمطرون لدى الأزمات بالعشر

أجاعل أنت بيقورا

7

مسلعة

ذريعة لك بين الله والمطر

ونحوه مما يصح أن يسمى طور الشك والبحث. (2)

وأعقب دور الحيرة هذه دور العقيدة والإيمان؛ فجاء الإسلام يدعو إلى عبادة إله واحد ليس كمثله شيء، ودخل الناس فيه أفواجا، وقضى على ما كان في الجاهلية من خرافات وأوهام - حارب الأصنام وحطمها، ولما دخل رسول الله

صلى الله عليه وسلم

المسجد يوم فتح مكة ورأى الأصنام منصوبة حول الكعبة جعل يطعن بسية قوسه

8

في عيونها ووجوهها ويقول:

جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا

ثم أمر بها فكففت على وجهها، ثم أخرجت من المسجد فحرقت، وبعث خالد بن الوليد والطفيل بن عمرو الدوسي وغيرهما لكسر بعض وتحريق بعض، وأكذب الكهان ولم يعترف بهم، ونهى عن تصديقهم وعاب سجعهم ونهى عن الطيرة والتشاؤم وأمثالها - وعلى الجملة فقد حارب الإسلام ما كان يسود العرب من أوهام وأحل محلها دينا شرحنا مبادئه فيما تقدم.

اعتنق الناس الإسلام في حماسة وقوة فملك عليهم نفوسهم وأثر في كل المناحي الاجتماعية ومنها العلم - فقد ظل الدين أساس كل الحركات العلمية إلى أواخر العصر الأموي، فأساس التاريخ سيرة النبي

صلى الله عليه وسلم

وغزواته وفتوح المسلمين، والفقه مبني على ما ورد من قرآن وحديث، ووعظ الوعاظ وبحث العلماء دائر حول الدين من تفسير وحديث وفقه وما إلى ذلك، وما أثر عن ذلك العصر من دراسات دنيوية من طب وصناعة (كيمياء) فقليل نادر، وأكثر من اشتغل بها من غير المسلمين - اقتنع العلماء بالإسلام وآمنوا به إيمانا صادقا لا مجال للشك فيه فكان بحثهم في تفسير ما غمض من نصوصه، أو جمع ما تفرق من الحديث، أو استنباط أحكام القرآن والحديث، أو تطبيق ما ورد منهما على الحوادث الجزئية. (3)

جاء العصر العباسي فرأينا مظهرا آخر - رأينا العلوم الدنيوية تفيض فيضا في المملكة الإسلامية ؛ فتترجم الفلسفة اليونانية بجميع فروعها من طب ومنطق وطبيعية وكيمياء ونجوم ورياضة، وتترجم الرياضة الهندية والتنجيم الهندي، ويترجم تاريخ الأمم من فرس ويونان ورومان وغيرهم، ورأينا الإلهيات اليونانية تعرض ويعرض بجانبها الديانات الأخرى من يهودية ونصرانية ومجوسية وغيرها، ورأينا أرباب الديانات يتجادلون في أديانهم ويقفون مواقف الهجوم والدفاع - كل هذا سبب حالة عقلية جديدة - فأهل الديانات الأخرى إنما يدعون إلى دينهم بالعقل والمنطق، ويرد عليهم بالعقل والمنطق، فكان طبيعيا أن يفعل المسلمون ذلك حينما يدعونهم إلى الإسلام - قد كانت الدعوة إلى الإسلام في العصر الأول أكثر ما تعتمد على الأسلوب الفطري من لفت إلى الكون وآثاره ودلالة ذلك على موجدها

ضحى الإسلام · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٦١