وإذا نحن أردنا أن نطبق القوانين التي وضعها هؤلاء العلماء على الفكر العربي شعرنا بصعوبة ذلك؛ لما أحاط بالعرب من ظروف وأحداث قل أن تحدث لغيرها من الأمم - ذلك أن هذا التطبيق يكون سهلا نسبيا متى كانت الأمة قد سارت سيرها الطبيعي من داخلها لا من خارجها، كالأمة اليونانية، قطعت هذه المراحل وهي هي أمة اليونان، ولكن الفكر العربي كان فكر أمة عربية مستقلة عن غيرها، ثم لم يمهلها التاريخ حتى تتدرج، أوقل إنها لم تمهل التاريخ، فقد أخضعت لأمرها أمة الفرس وأمة الروم وأمما بين ذلك كثيرة، وهذه الأمم المختلفة من فرس وروم ومصريين وأمثالهم كانت على درجات مختلفة من سلم الرقي العقلي، وكانت قد قطعت مراحل لم يقطعها العرب في جاهليتهم، وكانت حياتها الاجتماعية مختلفة كل الاختلاف، فحياة الفرس الاجتماعية غير حياة الروم، وهما غير حياة المصريين وهكذا، وحياتهم العقلية مختلفة تبعا لاختلاف حياتهم الاجتماعية، وانتقل كثير من العرب من جزيرتهم إلى هذه الأصقاع؛ فسكن قوم في فارس، وقوم في مصر، وقوم في الشام، وقوم في العراق، وكانوا أولي الأمر فيها أيام الخلفاء الراشدين والدولية الأموية، وكان المنتقلون من جزيرة العرب إلى هذه الأقاليم أكثر ممن انتقل من الأقاليم المختلفة إلى جزيرة العرب، ونشر العرب اللغة والدين في كل هذه البلاد المفتوحة، وأصبحت الثقافة مصبوغة بالصبغة العربية، وأصبحت لغة العلم هي اللغة العربية - هذه الأسباب وغيرها جعلت الفكر العربي إذا جعلنا بدأه العصر الجاهلي لا يسير السير الطبيعي الذي ساره في الأمم المنعزلة التي لم تمتزج هذا الامتزاج - لقد كان الفكر العربي فكرا عربيا خالصا (إلا قليلا) في الجاهلية من حيث طبيعته ومن حيث لغته، أما في الإسلام فنحن نسميه فكرا عربيا على نوع من التجوز، وهو في الواقع فكر أمم مختلفة اتخذت اللغة العربية أداة لتفكيرها، وهو فكر العرب وفكر الفرس وفكر الروم وفكر المصريين مزج كله مزجا قويا، واتخذ اللغة العربية أداته، واتخذ الإسلام أساسه - كان الفكر الفارسي والرومي قد قطع مراحل في التفكير لم يقطعها الفكر العربي في الجاهلية، فلما كان الامتزاج أبت الطبيعة إلا أن تسير على قوانينها فتجعل من هذا المزيج المختلف العناصر وحدة، وإن كانت هذه الوحدة مختلفة الأجزاء معقدة التركيب، وهذا المزج كذلك يسرع في قطع المراحل التي تقطعها الأمة المنعزلة في أزمان طويلة، كما يجعل دراسة هذه الظواهر المختلفة أصعب مراسا وأبعد منالا.
ومع هذا كله فيمكن رصد مظاهر الانتقال فيما يأتي: (1)
يظهر أن العرب في جاهليتهم كانوا في طور سرعة التصديق وحياة الخرافات والأوهام
3 - ولابد أن يكونوا قد عاشوا هذه المعيشة قرونا طويلة قبل الإسلام ولكن لم يصلنا إلا القليل عن جاهليتهم الأولى، وأكثر ما وصلنا كان قبل البعثة بما لا يعدو قرنين، فقد أدركهم التاريخ وهم يكادون يكونون في آخر هذا الطور؛ ومما يلاحظ أن تطور العرب في الجزيرة كان بطيئا في الجاهلية بطئا شديدا، وخاصة سكان الصحراء؛ لضعف اتصالهم بمن حولهم، فهم يعيشون عيشة تكاد تكون متشابهة - وعلى الجملة فقد فشت فيهم عبادة الأصنام، واستسقوا بها المطر، واستنصروا بها على العدو، وذبحوا لها الذبائح، وامتلأت بها منازلهم، وإذا اختصموا في أمر استقسموا بالقداح عندها، وإذا أرادوا سفرا كان آخر ما يصنعون أن يتمسحوا بها، وإذاقدموا من سفر كان أول ما يصنعون إذا دخلوا منازلهم أن يتمسحوا بها، وعظموا الأنصاب وهي الأحجار ينصبونها ويطوفون بها وهكذا - وملئت حياتهم بالخرافات والأوهام، فهم إذا أمسكت السماء وأصيبوا بالقحط عمدوا إلى السلع والعشر
4
فحزموها وعقدوهما في أذناب البقر ثم أشعلوا النار فيهما تفاؤلا بسنا البرق، وهم إذا مات منهم كريم عمدوا إلى ناقته فعكسوا عنقها وأداروا رأسها على مؤخرها، وتركوها في حفيرة ولا تطعم ولاتسقى حتى تموت، ليحشر عليها راكبها، فإذا لم يفعل له ذلك حشر ماشيا؛ وهم يعتقدون بالهامة تخرج من رأس القتيل، وتنادي على قبره اسقوني فإني صدية حتى يؤخذ بثأره، إلى كثير من أمثال ذلك