تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرادوا ببحثهم أن يخضعوا الحياة الفكرية في الأمم لمثل ما خضعت له مواد الطبيعة، فقد استكشفوا قوانين الجاذبية والمغناطيسية وحركات الأجسام والضوء وما إلى ذلك، ورأوا أن الأعضاء ووظائفها خاضعة كذلك لقوانين طبيعية، فالعين كالمنظار في عدساتها وانكسار الأضواء عليها، والأذن تقوم في تأدية وظيفتها على خصائص الصوت وقوانينه وهكذا، وكذلك الشأن في الجماعات وما يحيط بها، فللصحراء وخصائصها أثر قوي في قبائلها، وللسهل الخصيب أثر كبير في حياة أهله - ومثل ذلك يقال في النظم الاجتماعية؛ فليس نوع الحكومات التي تحكم الشعوب إلا نتيجة طبيعية لحالة الشعب وما يحيط به، ولتاريخه وما كان فيه من أحداث - كذلك تطوره الفكري يمكن إخضاعه لقوانين طبيعية، وإن كان ذلك شاقا عسيرا؛ فهو يتطلب معرفة دقيقة بتاريخ الأمم، وما طرأ عليه من تغيرات، والتغلغل في أعماق التاريخ لمعرفة العوامل التي تعمل في تدرج الأمم واختلاف عقلياتها - أضف إلى ذلك أن هناك عاملا قويا في الإنسان ليس في غيره من مواد الطبيعة وهي «الإرادة الحرة»؛ فيخيل إليه أنه فوق القوانين بإرادته، وأنه يستطيع أن يعمل في اللحظة الواحدة الشيء وألا يعمله، وأن يتحدى علماء الاجتماع الذين يتنبؤون بحدوث حادث بناء على قوانينهم فيعمل غيره؛ ولكن علماء الاجتماع مع تقويمهم هذا العامل يقللون من أهمية حرية الإرادة، ويرون أنها في اختيارها الظاهر خاضعة لقوانين لا تستطيع الخروج عنها، وأن اختلاف الجو وعوامل المدنية تعمل في الإرادة والعقلية عملها في اختلاف الوجوه والألوان.

قد تختلف الأقوام بعض الاختلاف في تاريخ حياتهم العقلية تبعا لعوامل كثيرة أهمها العوامل الاقتصادية: من قوم يعيشون على الصيد، وآخرين على زرع الأرض وهكذا، فيختلف - بناء على ذلك - كيفية تدرجهم في الرقي، ولكن - على الرغم من ذلك - فالقوانين العامة لمراحل الرقي العقلي واحدة وإن اختلفت الجزئيات، فمن الحق أن الأمم تعيش في بيئات طبيعية مختلفة، وأن هذه البيئات قد تعجل بتقدم القوم في سبيل الرقي العقلي وقد تؤخر سيرهم، ولكن اتجاه الطريق واحد على كل حال - هذه البيئات المختلفة قد تلون الحياة العقلية ببعض ألوان فرعية خاصة، ولكن الألوان الأصلية واحدة، ومثل الأطوار العقلية في الأمم مثل حياة الأفراد، فالإنسان ينشأ طفلا يافعا فشابا فكهلا فشيخا، ويمر الأفراد بهذه المراحل وإن اختلفوا - فيما بينهم - في بعض التفاصيل من ألوان وعادات وطبائع وأخلاق.

وقد اتجه بعض الباحثين المحدثين في نشوء العقل البشري إلى ربط المظاهر العقلية وتطورها بالحياة الاقتصادية، ورأوا أن تطور العقل تابع للتطور الاقتصادي، وأن ما يطرأ على الأمة من تغير في العادات والأخلاق والحياة العلمية والفنية والفلسفية ليس إلا نتيجة طبيعية لما طرأ عليها من تغير اقتصادي؛ مثال ذلك أن نظام رأس المال الاقتصادي نشأ عنه تقدم المخترعات من سكك حديدية وأمثالها، فكان لذلك كله أثر في الثقافة لا يقدر - وبناء على ذلك قسموا العصور التي مر بها الإنسان إلى أقسام اقتصادية وأبانوا خصائص كل عمر من الناحية العقلية، وليس يعنينا هنا بسط هذا الرأي ومناقشته وبيان أن الحالة الاقتصادية ليست إلا عاملا من العوامل في الثقافة وليست كل شيء.

1

على كل حال - جد الباحثون في العصور الحديثة في استخراج قوانين طبيعية لسير العقل البشري في الأمم، وذهب بعضهم

2

إلى تطبيق رقي العقل وخطواته التي يخطوها الفرد على رقي العقل في الأمم ؛ فكما أن الفرد يبدأ بحالة عقلية تناسب طفولته ثم يتدرج في الرقي تبعا لسنه ونضجه كذلك الأمة، والأمم جميعا تمر بهذه الأطوار وإن اختلفت ريثما وعجلة، وذكروا أن الأطوار التي تمر بها الأمم خمسة (1) عصر سرعة التصديق واعتناق الخرافات والأوهام (2) عصر الشك والتحري (3) عصر العقيدة والإيمان (4) عصر العقل (5) عصر الهرم والشيخوخة، وأن هذه العصور يسلم بعضها إلى بعض، وأن الأمم في العالم تقف على درجات مختلفة من هذا السلم، وليس معنى هذا أن الأمة الواحدة إذا قطعت شوطا وانتقلت إلى طور آخر كان كل أفرادها كذلك، بل إن أفراد كل أمة مختلفون فيما بينهم، كالأسرة الواحدة يختلف أفرادها في الصغر والكبر وضعف العقل ونضوجه، فإذا حكمنا على أسرة بالرقي نظرنا إلى مجموعها والأفراد البارزين فيها، وكذلك الأمة نحكم عليها بالنزعة الغالبة على مثقفيها والطبقة المفكرة فيها - ويعمل في حياة الأمم وتغيرها عقليا جملة تغيرات؛ كامتزاج الأمة بأمة أخرى واختلاط دمائهما ونحو ذلك.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٥٩