تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

وأخذ النحو عن ابن السكيت وأبيه في الكوفة، وفي سنة 235 كان في أصفهان يرصد الكواكب، ويضع نتائج رصده، ومات على الراجح نحو سنة 282ه. كانت معارفه واسعة في نواح مختلفة في التاريخ، وقد وصل إلينا منه كتاب «الأخبار الطوال»، وفيه معلومات عن علاقة العرب بالفرس قد لا نجدها في غيره، وكان كما يقول ياقوت نحويا، لغويا، مهندسا، منجما، حاسبا، راوية، ثقة فيما يرويه ويحكيه.

كان يقرن بالجاحظ في بلاغته، ويختلف الناس أيهما أبلغ، ويتحاكمون إلى أبي سعيد السيرافي فيقول: «أبو حنيفة أكثر ندارة وأبو عثمان (الجاحظ) أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة بالنفس، سهلة في السمع، ولفظ أبي حنيفة أعذب وأعرب وأدخل في أساليب العرب.»

59

ويعده أبو حيان التوحيدي أحد ثلاثة، لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم، ما بلغوا آخر ما يستحقه كل منهم؛ الجاحظ وأبو حنيفة، وأبو زيد البلخي، ويصفه بأنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كل فن ساق وقدم، ورواء وحكم.

ويظهر أن ثقافته اليونانية والهندية كانت أوسع منها في صاحبيه الجاحظ وابن قتيبة، وعلمه الرياضي يكمل نقصهما. يدل على ذلك تأليفه في الفلك والحساب والجبر والمقابلة، ونوادر الجبر والقبلة، والزوال والكسوف، والبحث في حساب الهند.

اشتهر بالكتابة في النبات، وربما كان كتابه فيه أظهر شيء في المزج، ومع الأسف لم يصلنا كتابه هذا، ولكن نقل منه الكثير في المخصص لابن سيده، وفي مفردات ابن البيطار، ولم يقتصر فيه على نباتات العرب، بل ذكر نباتات تنبت في الأقطار الأخرى، وجمع بين ما روى لغويو العرب في النبات، وما كتب عنه في الأمم الأخرى، واستعان ببلاغته على حسن وصفه؛ فهو يقول مثلا: «الخزامي عشبة طويلة العيدان، صغيرة الورق، حمراء الزهرة طيبة الريح، لها نور كنور البنفسج.» وهو كما ترى وصف دقيق، ويقول: «ويقال للموضع الذي يجعل فيه الزرع إذا حصد الأندر والبيدر والمربد والجوخان والمسطح، وهو سوادي عرب والجرين وجمعه الجرن والأجرنة.» فتراه يدخل كلمات عربت. ويقول: «وإذا تناوب أهل الجوخان، فاجتمعوا مرة عند هذا، ومرة عند هذا، وتعاونوا على الدياس ؛ فإن أهل اليمن يسمون ذلك القاه، ونوبة كل واحد قاهه، وذلك كالطاعة له عليهم؛ لأنه تناوب قد ألزموه أنفسهم، فهو واجب لبعضهم على بعض.» فتراه يعرف العادات المختلفة في البقاع، ويصف الشعير في أماكنه المختلفة، فالشعير العربي، والشعير العراقي، والشعير الحبشي. ويصف نباتات لها أسماء غير عربية؛ كالكسبرة، والكرويا، ويقول الكمون ليس من نبات بلاد العرب، وهكذا كان ذا نظر واسع وخبرة دقيقة في النباتات؛ عربية وغير عربية، وكان أساسا من أسس اللغة أمدها في النبات وما إليه، بألفاظ جديدة، وحدد ألفاظها القديمة.

كذلك له كتاب في الأنواء، إلا أنه قصره على ما كان للعرب من العلم بها، كما يدل على ذلك الجزء الذي نقله عنه ابن سيده في المخصص.

60

ولعلك ترى معي بعد أن هذا العصر كان بوتقة صهرت فيها عناصر الثقافات المختلفة، أو مصبا لجداول متعددة المجرى، مختلفة المنابع، وأن العلماء كانوا مظاهر تختلف باختلاف مصادرها «فما أشبه حجل الجبال بألوان صخورها»، «وعلى أعراقها تجري الجياد»، وأنهم كلهم كانوا يجرون في عنان

61

فأورثونا ثروة علمية وأدبية متعددة النواحي، نصفها في الباب التالي إن شاء الله.

| أهم الأحداث في ذلك العصر

أهم الأحداث

التاريخ الهجري

التاريخ الميلادي

بدء السنة الهجرية

قيام الدولة العباسية وخلافة السفاح

132

749

20 أغسطس

خلافة أبي جعفر المنصور

13

753

7 يوليه

قتل ابن المقفع

145؟

762

1 أبريل

موت عمرو بن عبيد المعتزلي

144؟

761

11 أبريل

تأسيس بغداد

ضحى الإسلام · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٥٧