تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

56

ويذكر أنه وضع كتاب الطبائع والأخلاق بعد كتاب السؤدد؛ لأنه مقارب له، وقد التزم ذلك، فقل أن يخرج عن موضوعه في غير مشاكلة وتقارب، فهو بذلك من حيث منهج التأليف أرقى من البيان والتبيين والكامل.

وقد تعرض في أول الكتاب لمصادره، فقال: إنه تلقط ما فيه عمن فوقه في السن والمعرفة، وعن جلسائه وإخوانه، ومن كتب الأعاجم وسيرهم، وبلاغات الكتاب في فصول من كتبهم، ولم يستنكف أن يأخذ عن الحديث سنا لحداثته، ولا عن الصغير قدرا لخساسته، ولا عن الأمة الوكعاء لجهلها فضلا عن غيرها، ولم يتحرج أن يأخذ العلم عن غير مسلم، فلن يزري بالحق أن تسمعه من المشركين، ولا بالنصيحة أن تستنبط من الكاشحين.

وإذا كان الكتاب أكثر ترتيبا كان مزج الثقافات فيه أكثر وضوحا، فكما كان يضم الشيء إلى مثيله، كان يضم ثقافة أمة في شيء خاص إلى ثقافة الأمة الأخرى فيه؛ فهو إذا ذكر السؤدد عن العرب ذكر السؤدد عن العجم، فهو يذكر السؤدد في نظر الأحنف بن قيس، وغيره من سادات العرب، وينقل عن كتاب للهند في السؤدد، ويذكر رأي بعض العرب في أسباب السرور، فيقول: قال قتيبة بن مسلم لحصين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء، ودار قوراء، وفرس مرتبط بالفناء.

وقيل لعبد الملك بن الأهتم: ما السرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء. ثم ينقل رأي الفضل بن سهل الفارسي في السرور إذ يقول: توقيع جائز، وأمر نافذ. ورأي أبي نواس نصف الفارسي إذ يقول:

إنما العيش سماع

ومدام وندام

فإذا فاتك هذا

فعلى العيش السلام

وينقل عن المسيح عليه السلام قوله لأصحابه: «إذ اتخذكم الناس رءوسا فكونوا أذنابا.» ثم ينقل عن كتب العجم: «علامة الأحرار أن يلقوا بما يحبون ويحرموا، أحب إليهم أن يلقوا بما يكرهون ويعطوا.» ثم ينقل عن أردشير وعن ابن المقفع في كليلة ودمنة، وعن أنوشروان، وعن استشهاد جعفر البرمكي بفعل أبرويز، ويقول: «أعلمت أن ناووس أبرويز أمدح لأبرويز من شعرزهير لآل سنان؟»،

57

وهكذا فهو يتعرض للعرب والعجم والهند، ويعرض آراءهم وأقوالهم بأنظم مما يفعل الجاحظ.

كذلك يمثل كتابه ما ذهبنا إليه قبل «من مناطق النفوذ»، فنحن إذا استعرضنا في عيون الأخبار كتاب السلطان، وسيرته والمشاورة رأيناه يكثر النقل عن الفرس والهند، مما يدل على أن الأدب العربي في هذا الباب أكثر تأثره بهاتين الأمتين، ونراه في باب القضاء والأحكام والشهادات والظلم قل أن ينقل عنهما، إنما ينقل عن العرب وأحكام الإسلام، وإذا تكلم في الزهد، فيكاد يكون الفصل الأول كله نقلا عن اليهودية والنصرانية، وفي باب الطعام عقد فصلا للمياه والأشربة نقل فيه عن الأطباء، وعن «الفلاحة النبطية»، وعن ابن ماسويه، وعقد فصلا للحمان وما شاكلها، ومضار الأطعمة، ومنافعها، والنباتات وخصائصها. وساير الجاحظ؛ فكتب فصولا عن الحيوان، ونقل عن أرسطو وغيره، والثقافة اليونانية في كل هذه الفصول غالبة شائعة.

ثم هو رجل ديني من رؤساء أهل السنة؛ فكان لذلك مثقفا ثقافة دينية واسعة، ولم تقتصر ثقافته على الإسلام، بل قرأ التوراة والإنجيل، وأكثر النقل منهما؛ فهو ينقل كثيرا عن وهب بن منبه، وعن التوراة والإنجيل، ويقول قرأت في التوراة وقرأت في الإنجيل، وينقل دعاء للمسيح، ودعاء لداود، ودعاء ليوسف عليهم السلام، وينقل أخبارا عن الرهبان، كما ينقل أحاديث عن رسول الله والصحابة والتابعين والزاهدين من المسلمين.

وعلى الجملة، فثقافة ابن قتيبة واسعة كل السعة، ومظهر امتزاج الثقافات فيه - مدنية كانت أو دينية - مظهر جلي واضح.

أبو حنيفة الدينوري

ثالث ثلاثة ثقفوا ثقافة علمية وأدبية واسعة، وليس بأقلهم، وإن كان حظه من الشهرة في عصورنا الأخيرة دونهم، هو أحمد بن داود بن ونند، ولد بدينور، ولم يعلم تاريخ ولادته، وإن كان يرجح أنها في العشرين الأولى من القرن الثالث الهجري،

ضحى الإسلام · الصفحة ١٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٥٦