تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ابن قتيبة

فأما ابن قتيبة؛ فهو أبو محمد عبد الله بن مسلم، أصله فارسي من مرو، وتربى في بغداد، وتولى القضاء بدينور، فنسب إليها، ثم كان معلما ببغداد. عاش من سنة 213ه إلى سنة 276ه؛ فهو قد عاصر الجاحظ جزءا طويلا من عمره، وكان يكرهه، كما يدل على ذلك نقده للجاحظ الذي أورده في كتابه «تأويل مختلف الحديث»، فقد اتهمه بأنه يذكر حجج النصارى على المسلمين بأقوى مما يذكر الرد عليهم، وبأن كتبه ملئت بالمضاحيك والعبث، يريد بذلك استمالة الأحداث، وشراب النبيذ، وأنه يستهزئ بالحديث؛ كذكره كبد الحوت، وقرن الشيطان، وذكر الحجر الأسود، وأنه كان أبيض فسوده المشركون، وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا! وأنه كذاب يضع الحديث وينصر الباطل.

53

والظاهر أن سبب النزاع اختلاف الطبيعتين، واختلاف المذهبين؛ فالجاحظ مزاح خفيف الروح، مهذار واسع العقل متصرف، وابن قتيبة جد، قاض، عليه وقار القضاء بمرح أحيانا، ولكن ليس له خفة روح الجاحظ، ثم الجاحظ معتزلي من المتكلمين، وابن قتيبة من أهل السنة (كما يحكي ابن تيمية)، والنزاع بين الطائفتين شديد طويل. وشخصية الجاحظ في كتبه أقوى؛ فهو لا يخرج ما علم إلا مهضوما، قد أسبغ عليه من نفسه ومن لسانه، وابن قتيبة واسع الاطلاع في غير شخصية قوية كما يظهر لي، يعرف كثيرا ويجمع كثيرا، وقد يكون في ذلك قريبا من الجاحظ، وكل ما وصلنا من تأليفه يدلنا على أنه عالم أديب، اتصل بنواح كثيرة من العلم؛ من لغة، ونحو، وأدب، وشعر، وحديث، وفقه، وتاريخ، ومذاهب دينية، ولكنه يفهم من التأليف أن يجمع، ويجمع عن سعة اطلاع، ويختار ما يجمع، من غير أن يظهر نفسه فيما يجمع؛ فإذا حاول أن يبدي شخصيته اضطرب كالذي كان في كلامه في الشعوبية، ينقض في موضع ما أبرمه في آخر، كما لاحظ ذلك صاحب العقد الفريد. وميزة أخرى يمتاز بها الجاحظ، وهي أنه في جميع ما يكتب يمس الحياة الاجتماعية في عصره، ويتغلغل في ثناياها، ولا يستحي أن يضرب مثلا ما عبدا فما فوقه، يحدث عن النجار والحواء وراعي الغنم، ويستخرج منهم علما أو تجربة ويحكيها ويعلق عليها، أما ابن قتيبة فليس له شيء من هذه الناحية؛ لأن هذا الضرب لا ينجح إلا في يد قوية كيد الجاحظ، ولو تعرض لها ابن قتيبة لفشل.

على كل حال علم ابن قتيبة كثير، وتآليفه غزيرة ومتعددة النواحي،

54

ولكن ما يهمنا هنا هو مظهر الثقافات المختلفة في كتبه، ولعل أدلها على ذلك كتاب عيون الأخبار.

عيون الأخبار

كتاب في المختار من الأدب، قسمه إلى عشرة كتب، كل كتاب كباب: كتاب السلطان، والحرب والسؤدد والطبائع، والأخلاق المذمومة، والعلم والبيان والزهد، والإخوان، والحوائج، والطعام، والنساء.

وقد تبع الجاحظ في الإتيان بما يضحك خوف الملل؛ فقال: «ولم أخله مع ذلك من نادرة طريفة، وفطنة لطيفة، وكلمة معجبة، وأخرى مضحكة، لأروح بذلك عن القارئ من كد الجد، وإتعاب الحق؛ فإن الأذن مجاجة، وللنفس حمضة.»

55

ولكنه يحس أنه سينتقد على ذلك من وسطه المتزمت، فيعتذر بأنه مما يترخص فيه، كذلك يعتذر عن أن الكتاب لم يكن في القرآن ولا في السنة، ولا شرائع الدين وعلم الحلال والحرام؛ بأنه دال على معالي الأمور، ومرشد لكريم الأخلاق، زاجر عن الدناءة، ناء عن القبيح، فالشعور الديني والخلقي متملك له، مسير له في تأليفه؛ فهو إن تكلم في الدنيا وشئونها فقد أودع فيه طرفا من محاسن كلام الزهاد في الدنيا، وذكر فجائعها، وزوالها، وانتقالها، حتى يستوجب بذلك الأجر، بل رضي من الغنيمة بالسلامة، وسأل الله أن يمحو ببعض بعضا، ويغفر بخير شرا، وبجد هزلا. والحق إنه نقل التأليف في الأدب نقلة جديدة؛ من حيث الترتيب، وقلة الاستطراد، وتعمد ذلك في كتابه وفخر به فقال: «وقرنت الباب بشكله، والخبر بمثله، والكلمة بأختها؛ ليسهل على المتعلم علمها، وعلى الدارس حفظها.»

ضحى الإسلام · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٥٥