41
وانتقده بأنه لم يأت بدليل على ذلك، وكيف يستطيع أن يأتي بدليل جازم، والعصافير قد تكون في المزارع والميازب مملوءة بها، وببيضها وفراخها، والناس القريبون منها لم يروا عصفورا قط ميتا، ولو قال أرسطو وأمثاله بذلك على جهة التقريب والظن لم يلمهم أحد من العلماء: «والأمور المقربة غير الأمور الموجبة، فينبغي أن يعرفوا فصل ما بين الواجب والمقرب، وفرق ما بين الدليل وشبه الدليل.»
42
ويقول: «وقال صاحب المنطق: ويكون بالبلدة التي تسمى باليونانية «طبقون» حية صغيرة شديدة اللدغ، إلا أن تعالج بحجر يخرج من بعض قبور قدماء الملوك.» قال الجاحظ: «ولم أفهم هذا ولم كان ذلك؟!»
43
وأحيانا يقارن بين قول أرسطو في الموضوع، وما ورد فيه من شعر جاهلي أو إسلامي، ويفاضل بينهما، ويحكم عقله، وتارة ينصر أرسطو، وتارة ينصر العرب، وتارة يكذبهما معا، فيقول: «زعم صاحب المنطق أن قد ظهرت حية لها رأسان، فسألت أعرابيا عن ذلك فزعم أن ذلك حق، فقلت له فمن أي جهة الرأسين تسعى؟ ومن أيهما تأكل وتعض؟ فقال فأما السعي فلا تسعى، ولكنها تسعى إلى حاجتها بالتقلب كما يتقلب الصبيان على الرمل، وأما الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغذى بفم، وأما العض فإنها تعض برأسيها معا، فإذا به أكذب البرية!»
44
ومثل ذلك في الكتاب كثير؛ فهو يعرض لما عرف عن اليونان، وما ورد في الموضوع من شعر العرب وقصصهم وأساطيرهم، وما عرف عن الأمم الأخرى، ويمزج كل ذلك مزجا تاما، ويعرضه بأسلوبه الجذاب ومبالغته المألوفة.
ولا يظنن ظان أن الكتاب - وقد سمي الحيوان - قد اقتصر على الكلام في الحيوان، بل لا نبعد إذا نحن قلنا إن ما فيه عن الحيوان أقل مما فيه عن غيره؛ فقد استغرق الجزء الأول والثاني من الكتاب الكلام في الكلب والديك، والمفاضلة بينهما، واحتجاج صاحب الكلب للكلب والديك للديك، ويستوفي كل ما قيل في ذلك من آية أو حديث أو شعر، أو قول لصاحب المنطق، أو قصة، أو أسطورة؛ كاتخاذ الجن الكلاب مأوى لها والكلب، واعتقاد العرب أن دم الأشراف يشفى منه ... إلخ، ولكنه في كل ذلك يخرج عن الكلب والديك إلى موضوعات لا تخطر على البال، فتراه في أثناء ذلك يتكلم في الإمامة والشيعة، والشعر وأثره في القبيلة؛ يرفعها ويضعها ... إلخ.
اتصل الجاحظ باليونان من كتبهم، ومن طريق المتكلمين؛ فعرف أرسطو كما بينا، ونقل عن أقليمون صاحب الفراسة في الكلام في الحمام،
45
ونقل عن جالينوس فيما يصلح له لحم الضب،
46
وفي معارف البهائم والطير
47
ويذكر أن كتب المنطق وكتب إقليدس لا يفهمها العربي البليغ،
48
ويظهر أن ثقافته اليونانية اتسعت بمجالسته لكثير من المثقفين بها؛ فقد كان يتحدث إلى سلمويه وابن ماسويه،
49
وإلى حنين بن إسحاق،
50
وإلى شمئون الطبيب،
51
واتصل بالفرس، وعرف الكثير عنهم، فينقل عن ابن المقفع، ويتكلم في أساطيرهم، ويعقد كلاما طويلا يذكر فيه نيرانهم، ويحكي عن المانوية والزنادقة وكتبهم وعباداتهم، ويحكي عن اليهود النصارى، ويذكر شبها أثارها بعضهم حول آيات من القرآن الكريم؛ مثل آيات الشهب، ويرد عليهم.
وعلى الجملة، فكتاب الحيوان معرض لكل الثقافات؛ عربية، ويونانية، وفارسية، وهندية، ومعرض للثقافات الدينية؛ من مانوية، وزرادشتية، ودهرية، ويهودية، ونصرانية، وإسلام. ولو ذكرنا ما قاله في كل ثقافة ورددناه إلى أصله لاستغرق منا كتابا كاملا، فلنكتف بهذا القدر للدلالة على ما نقول. ونختم قولنا بالشروط التي يشترطها الجاحظ لمن تكون له الرياسة في العلم، وقد حققها هو في نفسه؛ فقد رأى أن العالم من يحسن من كلام الدين بقدر ما يحسن من كلام الفلسفة، والمصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال.
52 •••
وبجانب الجاحظ عالمان آخران يمثلان معه كل معارف العصر، كما يمثلان أنواعا مختلفة الطعوم والألوان من الامتزاجات بين الثقافات؛ أحدهما ابن قتيبة الدينوري، والآخر أبو حنيفة الدينوري.