37
ويعترف بأنه عانى في هذه الطريقة أكثر مما يعاني لو كتب كتابا في موضوع واحد، من غير استطراد: «ولو كنت تكلفت كتابا في طوله وعدد ألفاظه ومعانيه، ثم كان من كتب العرض والجوهر والطفرة والتوليد والمداخلة والغرائز والنحاز، لكان أسهل وأقصر أياما وأسرع فراغا؛ لأني كنت لا أفرغ فيه إلى تلقط الأشعار، وتتبع الأمثال، واستخراج الآي من القرآن والحجج من الرواية، مع تفرق هذه الأمور في الكتب، وتباعد ما بين الأشكال، فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ ومن سوء تأليف، ومن تقطيع نظام فلا تنكر بعد أن صورت لك حالي التي ابتدأت عليها كتابي. ولولا ما أرجو من عون الله على إتمامه؛ إذ كنت لم ألتمس به إلا إفهامك مواقع الحجج لله وتصاريف تدبيره، والذي أودع أصناف خلقه من أصناف حكمته؛ لما تعرضت لهذا المكروه.»
38
ومصادر الكتاب كثيرة فآي من القرآن أو التوراة أو الإنجيل، وحديث وخبر تلقاه من الرواة، وشعر عربي كثير، وأمثال مضروبة، وكتب عديدة قرأها في فنون شتى، ومحادثة لمن يثق بهم من أطباء وتجار وذوي حرف، وتجارب يجربها بنفسه في الحيوان والنبات، وسفر وسماع لمن قد مارس الأسفار وركب البحار، وسكن الصحاري وسلك الوديان، وهذا - من غير شك - يدل على سعة اطلاع قل أن يكون له نظير.
والحق أن عقله كان قويا قل أن يقبل خرافة، بل هو يهزأ بمن يقبلها، ثم هو في كثير من الأحيان يقف على الاعتقاد حتى يجرب ويشك، ويدعو إلى الشك حتى تثبت صحة النظرية، ويستغرب القارئ من صحة منطقه، وسبقه إلى نظرات في منهج البحث لم تعرف إلا في العصر الحديث، كقوله: «اعرف مواضع الشك وحالاتها الموجبة لها؛ لتعرف بها مواضع اليقين، والحالات الموجبة لها. وتعلم الشك في المشكوك فيها تعلما، فلو لم يكن ذلك إلا تعرف التوقف ثم التثبت لقد كان ذلك مما يحتاج إليه.»
39
كما أنه سبق إلى اتجاهات قيمة فيما يسمى الآن سيكولوجية الحيوان؛ فهو يراقب نداء الديك بالليل، ويبحث: هل إذا كان في قرية وحده يصيح أو لا؟ ليعلم هل تصيح الديكة بالتجاوب أو بطبعها، ويراقب الدجاج هل تكثر أفراخها إذا كثر عديدها أو تقل؟ ويلاحظ الكلب ملاحظة دقيقة ليعلم مقدار ذكائه ووجوه تنبهه، والفروق الدقيقة بين أصنافه، إلى كثير من أمثال ذلك.
وبعد، فمظهر امتزاج الثقافات المختلفة في الحيوان أبين منها في البيان والتبيين، وذلك يرجع إلى موضوعه، وإلى مسلكه في تأليفه، وإلى علاقاته المتشعبة بأولي العلم والصناعات والطبقات من كل نوع.
من أهم العناصر التي اعتمد عليها في كتابه هذا كتب أرسطو، وقد عرف عن أرسطو أنه ألف في موضوعات عديدة في حياة الحيوان، وكان مشغوفا بهذا العلم ودراسته، حتى أحصى المتأخرون ما كان يعرفه أرسطو من أنواع الحيوان، فوجدوه نحوا من خمسمائة نوع. ومع أنه لم يرتبها الترتيب العصري فقد كان له فضل السبق في وضع هذا العلم الذي لم يكن مؤسسا من قبله. وقد وصلت هذه الكتب إلى العرب، ونقلت إلى العربية فيما نقل، فيقول ابن النديم: «إن كتاب الحيوان لأرسطو تسع عشر مقالة، نقله ابن البطريق ، ولنيقولاوس اختصار لهذا الكتاب، وقد ابتدأ أبو علي بن زرعة بنقله إلى العربية وتصحيحه.»
40
ولكن يظهر أن العرب في هذا الكتاب - كما هو الشأن في غيره - لم يميزوا بدقة بين ما هو لأرسطو حقا، وما ليس له، على كل حال وقع الكتاب في يد الجاحظ وقرأه، وكان مصدرا كبيرا من مصادره. وإذا نقل منه فكثيرا ما يسمي أرسطو «صاحب المنطق»، وقد يصرح باسمه، وقد نقل عنه في هذا الكتاب عشرات المرات، وكان موقف الجاحظ تجاه أرسطو موقفا بديعا، فلم يصب أمامه بشلل الفكر كما أصيب في أكثر الأحيان ابن سينا، وغيره من فلاسفة الشرق والغرب، وإنما وضعه في المخبر يمتحنه ويجربه؛ فقد نقل عن أرسطو أن إناث العصافير أطول أعمارا، وأن ذكورها لا تعيش إلا سنة،