إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها
إلى أمثال ذلك، وسميت سورة من القرآن بأسماء بعض الحيوانات؛ كسورة البقرة، والأنعام، والنحل، والنمل، والفيل. ونسب إلى الإمام علي وصفه البديع للطاووس، ودلالته على قدرة الله، وإن كنا في شك من صحة نسبتها إليه. واتجه المعتزلة في العصر العباسي هذا الاتجاه، وأجاد فيه قبل الجاحظ بشر بن المعتمر، أحد زعماء المعتزلة، ومما قال في ذلك قصيدتان طويلتان، تقع إحداهما في ستين بيتا، والأخرى في سبعين، وقد أوردهما الجاحظ في كتابه الحيوان
29
وشرحهما شرحا مطولا من إحدى القصيدتين قوله:
تبارك الله وسبحانه
من بيديه النفع والضر
من خلقه في رزقه كلهم
الذيخ والتيتل والغفر
30
وساكن الجو إذا ما علا
فيه ومن مسكنه القفر
والصدع الأعصم في شاهق
وجأبة مسكنها الوعر
31
والحية الصماء في جحرها
والتتفل الرائغ والذر
32
وهقلة ترتاع من ظلها
لها عرار ولها زمر
33
تلتهم المرو على شهوة
وحب شيء عندها الجمر
34
وظبية تخضم في حنظل
وعقرب يعجبها التمر
والقصيدتان على هذا النمط يذكر خصائص الحيوان، ويستخرج منه الحكمة، يعجب من جرادة تخرق متن الصفا، ومن خنفس تحيا بالروث ويقتلها الورد:
وحكمة يبصرها عاقل
ليس له من دونها ستر
ثم يعرج في آخر القصيدة إلى مهاجمة خصومه من أباضية ورافضية وغيرهم، ويعيبهم بأن لا تنجع الحكمة فيهم، والقصيدة الأخرى رائية مكسورة على نمطها. وقد أخذ الجاحظ هاتين القصيدتين عن بشر بن المعتمر، وقد عاصره زمنا، ويظهر أنهما أوحتا إليه أن يؤلف كتابا في الحيوان من هذه الناحية. ولكن الجاحظ لا يصبر على موضوع واحد، فإذا تكلم في شيء خرج منه إلى أشياء، كما لا يصبر على الجد، فسرعان ما يخرج منه إلى الهزل، ولذلك صبغ الموضوع بصبغته الخاصة، فاستطرد لا إلى حد، وأخرج الموضوع من عظة واعتبار، إلى معلومات واسعة في الحيوان وغير الحيوان، علمية أحيانا وأدبية أحيانا، وكان هزله فيه من أغرب الهزل، فالموضوع جد كل الجد، تخشع له النفس، ويذعن له القلب، وتثور له العاطفة الدينية، كما تشعر إذا قرأت الآيات السابقة أو وصف الطاووس أو قصيدتي بشر، ولكن هذا الجلال يضيع تماما في كتاب الحيوان، ويتلون بلون الجاحظ العجيب، فيخرج شيئا آخر غير العظة وغير العبرة؛ فيه ألوان الحرباء، وفيه روايات مختلفة مأساة ومهزلة، وفيه الكلام على الخصيان، بجانب فوائد الكتاب، وفي الكلام على الخصيان معلومات قيمة نادرة، ربما لا تعثر عليها في كتاب آخر من الناحية التاريخية والاجتماعية، وبجانبها لذع وإحماض وفكاهة ومجون مكشوف، وكل هذا مزج مزجا غريبا، وهكذا شأنه في كل موضوع.
وقد ذكر الجاحظ نفسه في كتاب الحيوان طريقة تأليفه في عدة مواضع؛ فهو يقول: «متى خرج (القارئ) من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى الشعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية ومقاييس شداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعله أن يكون أثقل، والملال إليه أسرع، حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة، وإلى سخف وخرافة، ولست أراه سخفا.»
35
ويقول: «إني أوشح هذا الكتاب بنوادر من ضروب الشعر، وضروب الأحاديث ليخرج قارئه من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل، فإني رأيت الأسماع تمل الأصوات المطربة والأغاني الحسنة، والأوتار الفصيحة إذا طال ذلك عليها، وإذا كانت الأوائل قد صارت في صغار الكتب هذه السيرة كان هذا التدبير لما طال وكثر أصلح، وما غايتنا من ذلك كله إلا أن تستفيدوا خيرا.»
36
ويأسف لسلوكه هذا السبيل، ويعترف بعيبها، ولكنه يقول إنه اضطر إلى ذلك اضطرارا فيقول: «وسنذكر قبل ذكرنا لهذا الباب أبوابا من الشعر طريفة، تصلح للمذاكرة وتبعث على النشاط ... ولولا سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويظهر اصطناع الكتب في هذا الدهر، لما احتجت إلى مداراتهم واستمالتهم، وترقيق نفوسهم وتشجيع قلوبهم، مع فوائد هذا الكتاب إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا الاعتذار، حتى كأن الذي أفيده إياهم أستفيده منهم، وحتى كأن رغبتي في صلاحهم رغبة من رغب في دنياهم.»