تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي يهمنا هنا مظهر امتزاج الثقافات في هذا الكتاب، والحق إن للثقافة العربية فيه المظهر الأكبر، والسبب في ذلك أن الكتاب كتاب أدب، وقد أبنا قبل أن أثر تلك الثقافات في الأدب أقل منها في العلوم، ومع هذا فحظ الثقافات الأخرى في هذا الكتاب غير قليل، انظر إليه وهو يقارن بين آراء الأمم في تعريف البلاغة؛ فيقول: «قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل والوصل. وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام. وقيل للرومي (الروماني): ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة.»

16

وينقل صحيفة عن الهنود في البلاغة وشرطها

17

وينقل عن فتى من النصارى الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يختار جاثليقا،

18

وينقل أن كسرى أنوشروان قال لبزرجمهر: أي الأشياء خير للمرء العيي؟ قال: عقل يعيش به، قال: فإن لم يكن له عقل؟ قال: فإخوان يسترون عليه، قال: فإن لم يكن له إخوان، قال: فمال يتحبب به إلى الناس، قال: فإن لم يكن له مال، قال: فعي صامت، قال: فإن لم يكن ذلك؟ قال: فموت مريح.

19

وينقل عن المسيح ابن مريم أنه سئل: من نجالس؟ قال: من يزيد في علمكم منطقه، وتذكركم الله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله. ويحكي أن المسيح مر بقوم يبكون فقال: ما لهؤلاء يبكون؟ قالوا: يخافون ذنوبهم، قال: اتركوها يغفر لكم.

20

ويحكي أسطورة الخطباء الذين تكلموا عند الإسكندر لما مات،

21

ويقارن بين مقدرة العرب على الخطابة، ومقدرة الفرس والزنج، ويحكي أن للفرس كتابا في صناعة البلاغة، وأن لليونان «منطقا» يعرف به السقم من الصحة، والخطأ من الصواب، وأن للهنود كتبا في الحكم والأسرار، من قرأها عرف غور تلك العقول، وغرائب تلك الحكم.

22

ويرى أن كلام الفرس يصدر عن فكرة، وطول روية، واجتهاد، وخلوة، ومشاورة، ومعاونة، وكلام العرب صادر عن بديهة وارتجال، حتى كأنه إلهام،

23

ويذكر عادة الرهبان في اتخاذ العصا، وعادة الجاثليق في اتخاذه القناع والمظلة والعكازة والعصا،

24

ويحكي مذهب التناسخ الذي أبنا قبل أنه للهند،

25

وينقل في باب الزهد كلاما طويلا، لعيسى عليه السلام،

26

ويحكي مواعظ لداود عليه السلام،

27

ويحكي عن أردشير أنه قال: «احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.»

28 ... إلخ.

هذا مثل من أمثلة المزج بين الثقافات؛ فقد رأيت أنه عرض أدب العرب وأدب الفرس، وحكم الهند ونصائح اليهودية والمسيحية، هذا لأنه ينقل عن فرس تعربوا، ويذكر حكمهم، كسهل بن هارون وابن المقفع والأسواري، وهي ولا شك وليدة فرس وعرب. ولكن بالمقارنة نرى كما أشرنا أن للأدب العربي في هذا الكتاب الحظ الأكبر والنصيب الأوفر، لأنه موضوعه. وهناك نواح أخرى لدراسة كتاب البيان والتبيين كبحث أي مثال احتذي في تأليفه، والفكرة التي عرضت له في ترتيبه، ومقدار الثقة به والاعتماد عليه، وشيوخه الذين أخذ عنهم، ومصادر الكتاب، إلى غير ذلك، ولكن موضع هذا كله البحث الأدبي.

كتاب الحيوان

كذلك هو كتاب ألفه الجاحظ أخيرا، بدليل ثبت كتبه التي عددها في صدره، وإن كان ألفه قبل البيان والتبيين. وقد ذكر في مواضع عدة من الكتاب أنه ألفه لبيان ما في الحيوان من الحجج على حكمة الله العجيبة وقدرته الباهرة، وهذه الناحية من النظر أبانها القرآن الكريم في غير موضع:

وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون

والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون

إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت

ضحى الإسلام · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٥١