صلى الله عليه وسلم ، برأي الطبيعيين والدهريين، باليهودية والنصرانية، برأي الزرادشتيين والمانويين. وفي الحق إن هذا كله مزيج عسر الهضم، لولا ما حظي به من أسلوب سمح فضفاض، ونفس مرحة تقدر كل التقدير النادرة الحلوة، والفكاهة العذبة.
وبعد، فخير كتبه التي يظهر فيها هذا الامتزاج واضحا قويا كتاب البيان والتبيين، وكتاب الحيوان.
كتاب البيان والتبيين
هو كتاب في الأدب، من آخر ما ألف الجاحظ
14
مختارات من الأدب؛ من آية قرآنية، أو حديث، أو شعر، أو حكمة، أو خطبة، ممزوج بما له من آراء في مسائل عدة. ويذكر ياقوت أن الكتاب نسختان؛ «أولة وثانية، والثانية أصح وأجود.»
15
ولست أدري أي النسختين هي التي في أيدينا.
بدأه بالتعوذ من العي، وساق الأشعار في ذمه، وحكاية موسى عليه السلام في طلبه من الله تعالى أن يحل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وانتقل إلى فصاحة اللسان ونعمتها، والعي ورداءته، وعاب التشدق والتقعير والتقعيب، وفضله على العي المتزيد والحصر المتكلف، واستطرد من ذلك إلى فصاحة واصل بن عطاء شيخ المعتزلة، ولثغته في الراء، وأنه كان يقول القمح بدل البر، وجره ذلك إلى الكلام في أن البر أفصح أو القمح، وانتقل منه إلى اختلاف لغات العرب في استعمال الألفاظ؛ فقبيلة تستعمل غرفة وأخرى علية وهكذا، ثم رجع إلى واصل وما كان بينه وبين بشار، وذكر قصائد في مدح المعتزلة، وإذ كان واصل ألثغ فقد عقب ذلك بالكلام على اللثغة، والحروف التي تدخلها اللثغة والتي لا تدخلها، واستطرد من اللثغة إلى عيوب اللسان على العموم من فأفأة وتمتمة، ثم ما يعرض للخطيب من نحنحة وسعلة، وربط ذلك بالخطابة والخطباء من القبائل المختلفة، وعدد كثيرا منهم، ومن الخطباء الشعراء، وكان أحد الخطباء الذين ذكرهم في كلامه صفير يخرج من موضع ثناياه، فجره ذلك إلى الكلام في الأسنان وعلاقتها بالخطابة، والجدال في أن سقوط الأسنان كلها أقل عيبا للخطيب، أو سقوط بعضها، ثم انتقل من ذلك إلى الكلام في الألفاظ المتنافرة، والحروف المتنافرة، وأسلمه ذلك إلى الكلام في اللكنة، وعد قوم من اللكناء، وبذلك تم الباب الأول. ويطول بنا القول لو سرنا معه في الكتاب كله نتتبع خطاه ونرصد انتقالاته، وحسبنا أن نذكر هذا مثلا يبين الفوضى في تأليفه، ولا تظن أن موضوعا من هذه الموضوعات التي ذكرنا قد فرغ من الكلام فيه، فسترى في ثنايا الكتاب الرجوع إليه مرة بعد مرة.
بعد ذلك عقد بابا للبيان، وبابا في ذكر ناس من البلغاء والخطباء والأنبياء والفقهاء والأمراء، ممن لا يكاد يسكت مع قلة الخطأ والزلل، ثم فصلا عرض فيه للبلاغة ما هي، وبابا في اللسان، وبابا في الصمت، وأبوابا أخرى في الشعر والخطب، ثم بابا في الأسجاع من الكلام، ثم عاد إلى الخطباء والبلغاء، وبيان قبائلهم وأنسابهم، وبابا في أسماء الكهان والحكام والخطباء والعلماء من قحطان. وقال في أول الجزء الثاني: إنه أراد أن يرد على الشعوبية في طعنهم على خطباء العرب، ولكنه أحب أن يصدر هذا الجزء بكلام من كلام رسول رب العالمين والسلف المتقدمين، والجلة من التابعين، واسترسل في مختار من الحديث والخطب والحكم والألغاز، وتكلم فيه عن اللحن والحمقى والمجانين، وكتب وصايا ونوادر لبعض الأعراب، حتى أتم الجزء الثاني. فإذا جاء الجزء الثالث فأوله كتاب العصا في الرد على الشعوبية، ثم كتاب في الزهد تكلم فيه على النساك وكلامهم وأخلاقهم ومواعظهم، ثم باب في دعاء الصالحين والسلف المتقدمين، ودعاء الأعراب، ثم مقطعات من نوادر الأعراب وأشعارهم.
وفي كل فصل من فصول الكتاب فوضى لا تضبط، واستطراد لا يحد. والحق إن الجاحظ مسئول عن الفوضى التي تسود كتب الأدب العربي؛ فقد جرت على منواله، وحذت حذوه، فالمبرد تلميذه تأثر به في تأليفه، والكتب التي ألفت بعد (كعيون الأخبار، والعقد الفريد) فيها شيء من روح الجاحظ، وإن دخلها شيء من الترتيب والتبويب؛ ذلك أننا نرى أن الكتب التي ألفت في العصر العباسي الأول كانت أساس التأليف، وهي التي حددت نوع القالب الذي يصب فيه العلم؛ فكتاب سيبويه في النحو حدد الطريقة التي يتبعها النحاة في التأليف، وكل ما عملوا بعده أن أوضحوا أو بسطوا أو اختصروا. وكتب محمد بن الحسن الشيباني حددت طريقة التأليف في الفقه، وكتب المنطق الأولى هي التي سارت عليها كتب المنطق الأخيرة. ولما كان كتاب البيان والتبيين أول كتاب ألف في الأدب على هذا النحو؛ كان أثره في الأدب كأثر هؤلاء الذين ذكرنا في علومهم، وكان الجاحظ مسئولا عما فيها من نقص وعيب. وأوضح شيء من آثار الجاحظ في كتب الأدب إذا قورنت بالعلوم الأخرى؛ الفوضى وكثرة المزاح، ومجون يصل إلى الفحش أحيانا. ولسنا نريد أن نحمل الجاحظ كل مسئولية في هذا، فقد تكون طبيعة الأدب نفسها داعية على ذلك، ولكن مما لا شك فيه أن الجاحظ كبير الأثر، ولو كان قد وضع الأساس غيره لكان قد تشكل الأدب شكلا آخر.