تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

ويتصل بالوزراء أمثال محمد بن عبد الملك الزيات، ويتنقل في البلاد فيعيش في بغداد زمنا، ويرحل إلى دمشق وأنطاكية. كل هذا أورثه نوعا من الثقافة قيما، ليس من نوع ما يؤخذ من الكتب والدفاتر، أورثه معرفة بطبائع الناس وأخلاقهم، وطرق معايشهم وفضائلهم ورذائلهم. وكان الجاحظ على استعداد تام لهذا النوع من الثقافة، فنال منه حظا وافرا، وكما كان حسن الاستعداد في الأخذ منه، كان كذلك في العطاء؛ فمن أكبر ما تمتاز به كتبه أنه يأخذ بيدك ليطلعك على الحياة الاجتماعية، ويجعلك تلمسها وتذوقها، على قلة الكتاب الذين يعنون بهذه الناحية، فإذا أنت قرأت «الكامل»، أو «أمالي القالي»، أو «عيون الأخبار» لم تحس فيه شيئا من ذلك. ومن أجل هذا كانت كتب الجاحظ أغزر مصدر لدارس الحياة الاجتماعية في عصره.

كتب الجاحظ في كل موضوع تقريبا، من المعلمين إلى بني هاشم، ومن اللصوص إلى الذئاب، ومن الكلام في صفات الله تعالى إلى القيان، ومن القضاة والولاة إلى أمهات الأولاد، ومن الإمامة إلى الحول والعور، فإن نحن قلنا إن كتبه «دائرة معارف» لزمانه، غير مرتبة على أحرف الهجاء، ولا على أي أساس، كان ذلك صوابا. وللجاحظ أسلوب يمتاز به، ولا ينسب إلا إليه؛ هو أسلوب الجاحظ، تظهر فيه شخصيته ظهورا تاما، حتى لتستطيع من غير كثير عناء أن تعرف أي الكتب له، وأيها ليست له. هو في تأليفه أنيس محاضر، تحرر من قيود كثيرة تقيد بها علماء عصره، تحرر من التزام الجد وثقل الغموض الذي كرهه من أستاذه الأخفش؛ فهو دائما يخلط جدا بهزل، ويسيغك اللقمة الجافة بكثير من الحلوى، ويجد حتى إذا أعدك للبكاء رماك بنادرة تمعن منها في الضحك، ويأخذ بيدك حتى إذا كنت في أصعب موضوع وأعمق قرار قفز بك فجأة إلى السماء، وحدثك حديثا خفيفا أنساك جهدك وعناءك، قال المسعودي: «ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه ... وكتب الجاحظ مع انحرافه المشهور تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة.»

13

كما تحرر من طريقة العلماء في قصر نفسه على الموضوع الذي يتكلم فيه، فالجاحظ لا يؤمن بذلك، وأنت عرضة لأن تجد في كتبه أدق الموضوعات وأجلها في أتفه العناوين وأسخفها، غلبت عليه النزعة الأدبية في كل ما كتب، حتى في الحيوان، فهو يتخير خير الألفاظ وأحسن التعبيرات، ويفر سريعا من التحقيق العلمي إلى مناحي الأدب من شعر أو حكمة أو نادرة.

ألف في مواضيع المتكلمين؛ مثل: كتاب خلق القرآن، وكتاب في الرد على المشبهة، وكتاب في الرد على النصارى، وكتاب الاعتزال، وكتاب الإمامة ... إلخ. كتب في موضوعات سياسية تاريخية؛ ككتاب العرب والموالي، وكتاب العرب والعجم، ورسالة في فضائل الأتراك (بمناسبة دخول الأتراك في جند المعتصم) وكتاب السودان والبيضان، وكتاب الصرحاء والهجناء ... إلخ. وألف في الأخلاق التي كان يشعر بها في عصره، وطبقات الناس؛ فألف كتاب البخلاء، والسلطان وأخلاق أهله، وكتاب الجواري، والحاسد والمحسود، والنساء ، والإخوان، والحزم والعزم، والأمل والمأمول، والاستبداد والمشاورة في الحروب، والقضاء والولاة، وغش الصناعات ... إلخ.

وألف في النبات كتاب الزرع والنخل، وألف في الحيوان كتاب الأسد والذئب، وكتاب البغل، وكتاب الحيوان.

وفي كل هذه الكتب كما يدل على ذلك ما بين أيدينا منها مزج العلم بالأدب، ولم يقتصر على ذكر البراهين النظرية، بل استعان بالتاريخ وبالشعر، وبما يعرف من أحداث، وما جرب هو نفسه من تجارب، ومزج ما تعلم بما قرأ، بما سمع، بما شاهد، بما جرب، كما مزج الشعر الجاهلي بالشعر الإسلامي، بعلم أرسطو، بطب جالينوس، كما مزج آي القرآن الكريم بأحاديث النبي

ضحى الإسلام · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٤٩