تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

وفي اليوم الذي ولى فيه المأمون طاهرا الشرطة ولى جماعة من الهاشميين كور الشام.

50

وقد ولى المنصور محمد بن خالد بن عبد الله القسري الحرمين،

51

وولاة الرشيد للأمصار كان كثير منهم عربا،

52

واشتهر في هذا العصر من أمراء العرب وقوادهم سعيد بن سلم الباهلي، ومعن بن زائدة الشيباني، وأبو دلف العجلي، وروح بن حاتم بن قبيصة، والمهلب ابن أبي صفرة، وثمامة بن أشرس، إلى كثير من أمثال هؤلاء.

كل هذا جعلنا نقول: إن الانقلاب العباسي جعل كفة الفرس راجحة، ولكنه لم يعدم الكفة الأخرى العربية، وهذا ما جعل الصراع يستمر في هذا العصر، فلنتبعه في إيجاز:

نرى في هذا العصر أن الناس ما يزالون ينزعون إلى الفخر بالنسب العربي، والولاء العربي، حتى لنرى أبا مسلم الخراساني يصطنع لنفسه نسبا عربيا، فيزعم أنه من نسل سليط بن عبد الله بن عباس.

53

وكتاب الأغاني يحدثنا: أن إسحاق الموصلي (وهو من هو من القرب من الرشيد) تناظر مع ابن جامع بحضرة الرشيد فتغالطا فسبه ابن جامع، فمضى إسحاق إلى خازم بن خزيمة (وهو عربي) فتولاه،

54

وانتمى إليه، فقبل ذلك منه؛ فقال إسحاق:

إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي،

ودافع ضيمي خازم وابن خازم

عطست بأنف شامخ وتناولت

يداي الثريا قاعدا غير قائم

55

فهذه القصة تدلنا دلالة واضحة على حاجة الأعاجم في هذا العصر - حتى الأشراف منهم - إلى الانتماء إلى العربي بالولاء؛ ليحتمي به ويدافع عنه. ويحكي الأغاني أيضا أنه كان لعلي بن الخليل صديق فارسي، فغاب مدة وقد أصاب مالا ورفعة، ثم عاد إلى الكوفة، وادعى أنه من تميم فقال يهجوه:

يروح بنسبة المولى،

ويصبح يدعي العربا!

فلا هذا، ولا هذا

ك يدركه إذا طلبا!

إلى أن يقول:

يشم الشيح والقيصو

م جلفا جافيا، جشبا!

إذا ذكر البرير

56

بكى

وأبدى الشوق والطربا!

وليس ضميره في القو

م إلا التين، والعنبا

57 !

ويحكي في موضع آخر: أن والبة بن الحباب كان يدعي النسب إلى العرب فقال فيه أبو العتاهية:

أوالب أنت في العرب

كمثل الشيص في الرطب!

هلم إلى الموالي الصيد

في سعة وفي رحب!

فأنت بنا لعمر الله

أشبه منك بالعرب

58

وادعى رجل النسبة إلى العرب فقال فيه بشار:

ارفق بعمرو إذا حركت نسبته

فإنه عربي من قوارير!

ويقول فيه:

إن عمرا فاعرفوه

عربي من زجاج!

مظلم النسبة لا

يعرف إلا بالسراج

وقال مخلد الموصلي:

أنت عندي عربي

ليس في ذاك كلام!

عربي، عربي

عربي، والسلام!!!

شعر أجفانك قيصو

م، وشيح، وثمام!

59

أفلو كان العرب قد ذلوا في هذا العصر، وحقر شأنهم على الوصف الذي يصفه بعض المؤرخين؛ كانت هذه الحركة (أعني حركة الانتساب إلى العرب والاعتزاز بهم) تبلغ هذا المبلغ؟

إنما الذي نشاهده كذلك أن الحركة العربية دوفعت بحركة أخرى فارسية، وأن الصوت الخافت الذي كنا نسمعه من مثل إسماعيل بن يسار في العهد الأموي فيعاقب عليه؛ أصبح الآن شديدا وقويا حرا. ونرى بشارا زعيم هذه الحركة يفخر مرة بخراسان ويقول:

وهجاني معشر كلهمو

حمق، دام لهم ذاك الحمق

ليس من جرم، ولكن غاظهم

شرفي العارض قد سد الأفق

من خراسان، وبيتي في الذرى،

ولدى المسعاة فرعي قد سمق

60

ويفخر مرة بالعجم فيقول:

ونبئت قوما بهم جنة

يقولون من ذا؟ وكنت العلم!

ألا أيها السائلي جاهدا

ليعرفني أنا أنف الكرم!

نمت في الكرام بني عامر؛

فروعي، وأصلي: قريش العجم!

ويقول ذلك أمام المهدي فلا يعاقبه كما فعل هشام بابن يسار؛ بل يسأله: من أي العجم أنت؟ فيقول: من أكثرها في الفرسان، وأشدها على الأقران، أهل طخارستان. بل كان يتبرأ من الولاء، ويقول:

أصبحت مولى ذي الجلال، وبعضهم

مولى العريب! فخذ بفضلك فافخر

مولاك أكرم من تميم كلها

أهل الفعال، ومن قريش المشعر!

فارجع إلى مولاك غير مدافع

سبحان مولاك الأجل الأكبر!

بل كان يدعو الموالي إلى نبذ ولائهم للعرب، فيروي الأغاني: أن رجلا من بنى شريف، قال لبشار: «يا بشار، قد أفسدت علينا موالينا تدعوهم إلى الانتفاء منا، وترغبهم في الرجوع إلى أصولهم، وترك الولاء وأنت غير زاكي الفرع، ولا معروف الأصل! فقال له بشار: والله لأصلي أكرم من الذهب، ولفرعي أزكى من عمل الأبرار، وما في الأرض كلب يود أن نسبك له بنسبه.»

ضحى الإسلام · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٥