38
ويرسل أبو مسلم لعلي بن الكرماني (أحد زعماء اليمانيين) من يقول له: أما تأنف من مصالحة نصر بن سيار، وقد قتل بالأمس أباك وصلبه؟ ما كنت أحسبك تجامع نصر بن سيار في مسجد تصليان فيه!
39
وأخيرا بعد حوادث ودسائس نجح أبو مسلم، و«تقدم نصر بن سيار إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعثت ربيعة وقحطان إلى أبي مسلم مثل ذلك، فتراسلوا بذلك أياما، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما ففعلوا. وقدم الوفدان، وسمع أبو مسلم وشيعته الخطب في ذلك» ثم أعلن أبو مسلم اختياره، فقال: «قد اخترنا علي بن الكرماني وأصحابه من قحطان، وربيعة ... فنهض وفد مضر، عليهم الذلة والكآبة.»
40
اجتمع على الدولة الأموية اليمنية والربعية والعجم، وكان في النقباء
41 (وهم القادة والزعماء الذين حاربوا الدولة الأموية) كثير من العرب؛ منهم قحطبة الطائي. وكان من أعظم العرب نفوذا في قومه، وقد خطب في أهل خراسان يحقر العرب، ويعظم الفرس؛ في لهجة غريبة، فكان فارسيا أكثر من الفرس أنفسهم! إذ يقول: يا أهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين، وكانوا ينصرون على عدوهم لعدلهم، وحسن سيرتهم؛ حتى بدلوا وظلموا، فسخط الله عز وجل عليهم؛ فانتزع سلطانهم، وسلط عليهم أذل أمة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم ... واسترقوا أولادهم؛ فكانوا بذلك يحكمون بالعدل، ويوفون بالعهد، وينصرون المظلوم، ثم بدلوا وغيروا، وجاروا في الحكم، وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم، ليكونوا أشد عقوبة؛ لأنكم طلبتموهم بالثأر.
42
وبعد أن أدى العرب عملهم نكل أبو مسلم بهم، وقتل زعماءهم . •••
سقطت الدولة الأموية، وقامت الدولة العباسية، ونال الفرس بعض أمنيتهم لا أمنيتهم كاملة، فأمنيتهم الكاملة أن تقوم دولة فارسية بملوكها وعمالها، ولكن ما نالوه ليس قليل الخطر، فالخلفاء العباسيون مقتنعون أن دولتهم قامت على أكتاف الفرس، وكذلك العلماء والمؤرخون، فداود بن علي
43
يخطب فيقول: يا أهل الكوفة، إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأفلج بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله ما كنتم به تنتظرون، وإليه تتشوقون؛ فأظهر فيكم الخلفة من هاشم، وبيض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام ... إلخ
44
وأبو جعفر المنصور يقول: «يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا، وأهل دعوتنا.»
45
ويقول الجاحظ: «دولة بني العباس أعجمية خراسانية، ودولة بني مروان عربية أعرابية.»
46
وكانوا يسمون باب خراسان في بغداد باب الدولة؛ لإقبال الدولة العباسية من خراسان.
47
وأوصى المنصور ابنه قبل وفاته فقال: «وأوصيك بأهل خراسان خيرا فإنهم أنصارك وشيعتك، الذين بذلوا أموالهم في دولتك، ودماءهم دونك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم؛ أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن مسيئهم، وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلف من مات. منهم في أهله وولده»
48
استتبع هذا غلبة الفرس ونفوذهم، حتى عد المؤرخون من أهم خصائص هذا العصر النفوذ الفارسي، وضعف النفوذ العربي. ولكن إلى أي حد غلب العرب؟ وهل كان نفوذ الفرس في الدولة العباسية كنفوذ العرب في الدولة الأموية؟ وهل انتهى بذلك الصراع بين العرب والموالي؟ الحق أنه لم يكن كل ذلك، فالخلفاء العباسيون عرب هاشميون - ولو من قبل الأب - وهم يفخرون بذلك، ويعدونه من أكبر مناقبهم، وهم إن حفظوا للفرس معونتهم؛ فلن ينسوا عربيتهم، ويوم يشعرون بأن الفرس زاحموهم في سلطانهم سينكلون بهم كما نكل المنصور بأبي مسلم والرشيد بالبرامكة والمأمون بالفضل بن سهل؛ فالفرس في العصر العباسي الأول كان لهم نفوذ كبير، ولكن ليس معنى هذا انعدام نفوذ العرب. كانت أعظم المناصب كالوزارة في الفرس، ولكن كان الخليفة عربيا هاشميا، وكان له قواد من العرب كما له قواد من الفرس، وكان له ولاة من العرب، وولاة من الفرس، فجند المنصور كانوا أقساما أربعة: يمنية، ومضرية، وربعية، وخراسانية.