61
وقال له عربي: ما للموالي والشعر؟ فقال يهجو العرب:
أحين كسيت - بعد العري - خزا،
ونادمت الكرام على العقار؟
تفاخر يا ابن راعية وراع
بني الأحرار، حسبك من خسار!
تريغ
62
بخطبة كسر الموالي،
وينسيك المكارم صيد فار
وكنت إذا ظمئت إلى قراح؛
شركت الكلب ولغ الإطار
63
وتغدو للقنافذ تدريها
ولم تعقل بدراج الديار!
64
وتتشح الشمال للابسيها،
وترعى الضأن بالبلد القفار!
65
ولبشار كثير من هذا الضرب، يدلنا على ما نقول من أنه كان زعيم الحركة العدائية للعرب، كما يرينا ما كان له ولأمثاله من حرية - في هجاء العرب - لم يكونوا يعهدونها في العصر الأموي.
وكثر ادعاء الناس للانتساب إلى كسرى كذلك حتى قال جحظة:
وأهل القرى كلهم ينتمو
ن لكسرى ادعاء! فأين النبيط؟
66
مما لا شك فيه أن نفوذ الفرس قد قوي في عهد العباسيين الأولين، وكان هذا النفوذ يزداد قوة يوما فيوما.
قد كان استخدام الموالي في العهد الأموي نادرا، وكان يقابل بامتعاض. قد استخدموا - مثلا - رجاء بن حيوة، وكان مولى كندة. واستخدم عمر بن عبد العزيز مولى، وجعله واليا على وادي القرى، فعوتب على ذلك. ولكن ما كان شاذا في العصر الأموي صار هو المألوف في العصر العباسي. ابتدأ المنصور يكثر من استخدام الموالي، يقول السيوطي: «إن المنصور أول من استعمل مواليه على الأعمال، وقدمهم على العرب. وكثر ذلك بعده حتى زالت رياسة العرب وقيادتها.»
67
وليس معنى هذه العبارة أن أحدا قبله من خلفاء بني أمية لم يستعمل مولى قط، وإنما المعنى أن المنصور اتخذ استعمال الموالي مبدأ له وقاعدة، ورأسهم على العرب. وهو بهذا المعنى أول من فعل ذلك، والجهشياري في كتابه تاريخ الوزراء يروي لنا ما يفهم منه أن أكثر من تولى الأعمال للمنصور موالي.
68
ويقول المسعودي في المنصور : إنه أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه، وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فاتخذت ذلك الخلفاء من بعده (من ولده) سنة؛ فسقطت وبادت العرب، وزال بأسها، وذهبت مراتبها.
69
ويروي الطبري: «أنه كان للمنصور خادم أصفر على الأدمة، ماهر لا بأس به؛ فقال المنصور يوما: ما جنسك؟ قال: عربي يا أمير المؤمنين. قال: ومن أي العرب أنت؟ قال: من خولان، سبيت من اليمن، فأخذني عدو لنا فجبني فاسترققت، فصرت إلى بعض بني أمية، ثم صرت إليك. قال: أما إنك نعم الغلام، ولكن لا يدخل قصري عربي يخدم حرمي. اخرج عافاك الله فاذهب حيث شئت!»
70
ويروي الأغاني: أن أبا نخيلة وقف على باب أبي جعفر، واستأذن فلم يصل، وجعلت الخراسانية تدخل، وتخرج فتهزأ به، فيرون شيخا أعرابيا جلفا فيعبثون به. فقال له رجل عرفه: كيف أنت يا أبا نخيلة؟ فأنشأ يقول:
أصبحت لا يملك بعضي بعضا
تشكو العروق الآبضات
71
أيضا!
كما تشكى الأزجي الفرضا
كأنما كان شبابي قرضا!
فقال له الرجل: وكيف ترى ما أنت فيه في هذه الدولة؟
فقال:
أكثر خلق الله من لا يدرى
من أي خلق الله حين يلقى!؟
وحلة تنشر ثم تطوى،
وطيلسان يشترى فيغلى
لعبد عبد، أو لمولى مولى
يا ويح بيت المال! ماذا يلقى؟
72
ولكن مع هذا كله استخدم المنصور بعض العرب؛ فقد ولى سلم بن قتيبة الباهلي البصرة كما ولى مولى كور البصرة والأبلة
73
ورأيت قبل أن جند أبي جعفر كانوا عربا وعجما، فلما جاء الرشيد زاد نفوذ الفرس بفضل البرامكة، وقد كانوا المصرفين للدولة وشئونها، فاستتبع نفوذهم نفوذ جنسهم، واتخذوا لذلك سياسة محكمة؛ منها: ما يرويه لنا الطبري: أن الفضل بن يحيى (البرمكي) اتخذ بخراسان جندا من العجم سماهم «العباسية»، وجعل ولاءهم لهم (للعباسيين)، وأن عدتهم بلغت خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل، فسموا ببغداد «الكرنبية» وخلف الباقي منهم بخراسان على أسمائهم ودفاترهم.
74
وزاد نفوذهم كذلك في عهد المأمون، فقد انتصر الفرس نصرة ثانية كالتي كانت بين العباسيين والأمويين؛ لأن أغلب الفرس تعصب للمأمون، وأكثر العرب تعصبوا للأمين، فعدت غلبة المأمون نصرة فارسية، فطيفور يذكر لنا في تاريخه: «أن العرب كانوا يركبون ومعهم القسي والنشاب بين يدي المأمون.»