تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان للإسلام أثر كبير في هذا الامتزاج؛ فإن من أسلم من الأمم الأخرى - وأعني الخاصة - يرى أن لا يكمل دينه، ولا يقوى إيمانه إلا إذا قرأ القرآن ودرسه، فكان ذلك يدعوه إلى تعلم العربية والتثقف بآدابها، وبذلك يجمع بين ثقافته القومية وثقافته العربية. وفي هذا مزج على الأقل لثقافتين، وجمع بين عقليتين، فكثير من الفرس تعربوا، وكثير من الروم والهنود تعربوا، وكثير من الأنباط تعربوا. ومعنى تعربهم أنهم أفسحوا رءوسهم وألسنتهم لثقافة عربية، تتزاوج مع ما نشئوا فيه وشبوا عليه، وأفسحوا صدورهم للإسلام ليحل محل دين ولدوا عليه، وعاشوا حينا في شعائره وتقاليده. كل هذا وذاك كان سببا في التزاوج والإنتاج، ومن أجل هذا لا تكاد ترى في هذا العصر ثقافة مدنية أو دينية عاشت وحدها في عزلة عما حولها، بل كان الكل مؤثرا متأثرا، وفاعلا قابلا، وإن اختلفت فيما بينها في مقدار فاعليتها وانفعالها، ونواحي تأثيرها وتأثرها.

وبعد، فإن نحن أردنا أن نختار من يمثل هذه الثقافات ممتزجة لا نجد خيرا من الجاحظ وابن قتيبة وأبي حنيفة الدينوري. كل واسع الاطلاع ، غزير العلم، كثير التأليف، نال حظا وافرا من نواحي العلوم المختلفة، أولهم زعيم المتكلمين من المعتزلة، وثانيهم زعيم أهل السنة، وثالثهم زعيم علماء النبات، كل أديب وعالم ولغوي ومؤرخ، وعلى الجملة فقد كانوا هم ثلاثتهم «دائرة معارف» زمنهم، نستطيع إذا ألممنا بكتبهم أن نعرف أي شيء من العلم كان في عصرهم، وأي شيء لم يكن. وهم من هذا كله مختلفون تمام الاختلاف، طعما وذوقا وروحا وعقلية، ونظرا إلى الحياة، كما سيتضح عند الكلام فيهم. ولسنا نريد أن نتوسع في تاريخ حياتهم، ولا تحليل كل كتبهم، ولا الإحاطة بكل نواحيهم؛ فذلك ما لا يسعه كتاب كهذا، وإنما نتكلم من الناحية التي قصدنا إليها فحسب، وهي أنهم يمثلون الثقافات ممتزجة، وجداول العلم مجتمعة، ونختار من كتبهم أدلها على ذلك الغرض، وأوفاها لهذا المقصد.

الجاحظ

هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني، والأرجح أنه كناني بالولاء، لا كناني صليبة، فقريب الجاحظ (وهو يموت بن المزرع) يقول: «الجاحظ خال أمي، وكان جد الجاحظ أسود يقال له فزارة، وكان جمالا لعمرو بن قلع الكناني.»

11

وقد اختلف في تاريخ مولده، ولكنهم يكادون يتفقون على تاريخ وفاته، وهو 255ه، وأنه عمر نحو 96 عاما، فيكون ميلاده حول سنة 159ه، ولد بالبصرة، وأخذ اللغة والأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش، وأخذ الكلام عن النظام، وكان يذهب إلى مربد البصرة يأخذ عن العرب شفاها. وأولع بالقراءة فقالوا: «إنه لم يقع بيده كتاب إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، وكان يكتري دكاكين الوراقين، ويبيت فيها للنظر.» تثقف الثقافة العربية من المربد، ومن علمائها أمثال الأصمعي وأبي زيد، وأتت له الثقافة اليونانية من طريق علماء الكلام، ومشافهته لحنين بن إسحاق وسلمويه وأمثالهما، وحذق الثقافة الفارسية من كتب ابن المقفع، وأخذه عن أبي عبيدة، وتوسع في الثقافات كلها بما كان يقرأ من الكتب كلها. ولد في خلافة المهدي، وكان صبيا في خلافة الهادي، وأتته خلافة الرشيد وهو شاب، وشاهد الصراع بين الأمين والمأمون، وكان ناضجا وقت سلطة المعتزلة في عصر المأمون، واتصل بما كان في أيامه من حركة علمية وفلسفية. في كل ذلك شاهد سلطان الفرس وغلبتهم، وشاهد في أيام المعتصم سطوة الترك، وحلولهم محل الفرس، كما شاهد دولة الواثق وسيره سيرة المعتصم والمأمون في مناصرة الاعتزال، وحضر دولة المتوكل وقد هزم المعتزلة وأبطل دولتهم، ومرت عليه دولة المنتصر والمستعين والمعتز، وهو يعاني الفالج والنقرس، إلى أن مات في خلافة المهتدي بالله، فتاريخ الجاحظ تاريخ قرن كامل، هو زهرة الدولة العباسية، قل أن تعلم أحد من أحداثها ما تعلم الجاحظ. أحس ببؤس الفقراء، فقد نشأ فقيرا، حتى يحكي من رآه يبيع الخبز والسمك بسيحان، ويخالط العلماء على اختلاف مذاهبهم ومناحيهم، ثم يكون كاتبا وقتا قصيرا، ويتعرف ثقافة الكتاب ودخائلهم، ويتغنى بما ألف، فتكون له ضيعة تنسب إليه، ويقتني مالا وبيتا يجرب فيه زرع شجر الأراك، ويعنى بأبوابه حتى يختار لتركيبها أمهر النجارين، ويقتني من العبيد من سبق أن خدم الملوك،

ضحى الإسلام · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٤٨