تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبعضها قد تناهى

وبعضها يتولد

والحسن في كل عضو

منها معاد مردد

5

ويقول:

تركت قلبي قليلا

من القليل أقلا

يكاد لا يتجزا

أقل في اللفظ من لا

6

إلى كثير من أمثال ذلك.

وعلى الجملة، كان المتكلمون صلة لأشياء مختلفة، كانوا صلة بين الأديان بعضها وبعض، وصلة بين الفلسفة والدين، وصلة بين الفلسفة والأدب، فلو قلنا إن المتكلمين كانوا من أظهر القائمين بعملية المزج لم نبعد عن الصواب. •••

لئن كان المتكلمون هم الصلة بين اليونان والمسلمين، فقد كان الفرس المتعربون صلة بين الفرس والعرب؛ مزجوا ما نشئوا عليه من أدب فارسي بما تعلموا من أدب عربي، مزجوا القصة الفارسية بالقصة العربية كما في ألف ليلة وليلة، وغيره، ومزجوا الحكم الفارسية والتشبيهات الفارسية بالحكم والتشبيهات العربية. «كان كسرى أنوشروان مشتهرا بالنرجس، وكان يقول: هو ياقوت أصفر بين در أبيض، على زمرد أخضر»، فيقول الشعر العربي:

وياقوتة صفراء في رأس درة

مركبة في قائم من زبرجد

كأن بقايا الظل في جنباتها

بقية دمع فوق خد مورد

وكان أردشير بن بابك يصف الورد، ويقول: «هو در أبيض، وياقوت أحمر، على كرسي زبرجد أخضر، توسطه شذور من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر»، فيقول محمد بن عبد الله بن طاهر:

كأنهن يواقيت يطيف بها

زمرد وسطه شذر من الذهب

فاشرب على منظر مستظرف حسن

من خمرة مزة كالجمر في اللهب

ويضع الفرس الأساطير فينحو العرب نحوهم؛ فقول العرب في العنقاء يشبه قول الفرس في «سيمرغ»، ومن أساطير الفرس أن مسكن السيمرغ على الشجرة التي تقي كل البذور، وهي في المحيط الواسع على مقربة من شجرة الخلد، تجتمع عليها البذور التي أنتجتها النباتات كلها طول السنة.

7

وما تزال تنتقل الأسطورة بين العرب، حتى يدخلها الفيروزابادي في القاموس المحيط، فيقول: «والجزائر الخالدات»، ويقال لها جزائر السعادة ست جزائر في البحر المحيط من جهة المغرب، منها يبتدئ المنجمون بأخذ أطوال البلاد، تنبت فيها كل فاكهة شرقية وغربية وريحان وورد، وكل حب من غير أن يغرس أو يزرع.

8

ويقرأ القارئ الشاهنامة، وما فيها من أساطير فتوحي إليه بمقارنات ومشابهات بينها وبين الأساطير العربية لا تكاد تحصى، كأسطورة «ازدهاك»، وهو روح شريرة في الأساطير الآرية، وفي الأبستاق؛ هو شيطان يمنع ماء السحاب أن ينزل إلى الأرض، وعند الفرس ملك ظالم جبار يتمثل فيه الشر كله.

وتتحول الكلمة في العربية إلى الضحاك، ويزعمون أنه عربي من اليمن، ويفتخر به أبو نواس في قصيدته التي يفخر فيها بقحطان على نزار فيقول:

وكان منا الضحاك يعبده الخابل

والطير في مساربها

9

ويقول صاحب القاموس: «والضحاك رجل ملك الأرض، وكانت أمه جنية فلحق بالجن ...» إلخ.

ويتنقل مذهب تناسخ الأرواح من الهند، فينتشر في العراق، ويدعو إليه غلاة الشيعة وبابك الخرمي وأصحابه.

وهكذا تمتزج في العراق كل الثقافات، وتتبادل كل الآراء، وتعرض كل الآداب، فيروي الأغاني أنه: «كان في مسجد البصرة حلقة قوم من أهل الجدل، يتصايحون في المقالات والحجج فيها.»

10

وبجانبهم حلقة للشعر والأدب، وهكذا، وكان الذين يحضرون هذه الحلقات من أجناس مختلفة وديانات مختلفة وآراء مختلفة، وكانوا يتلاقون في المسجد وفي المنازل، وفي قصور الولاة والخلفاء، ويتحاجون ويتجادلون، يخرج الجاحظ صباحا إلى المسجد لطلب الحديث، ويلتقي بعد بحنين بن إسحاق وسلمويه، ويلقى النصراني واليهودي فيجادلهما، ويلقى البدوي العربي فيأخذ عنه. يتقابل أصحاب الديانات فيحكي كل ما ورد في كتبه عن خلق العالم، ويتجادلون في رؤية الله هل تكون أو لا تكون؟ وفي صفات الله هل هي زائدة على الذات أو لا؟ على حين يتجادل الآخرون في أي الأمم خير، ويتعصب هذا للعرب، وهذا للعجم، وغير هؤلاء في لغة وفي أدب، ويقارن العلماء بين اللغات المختلفة والآداب المختلفة، فكان من هذا كله حركة عنيفة، لم تدع نوعا من المذاهب والأديان واللغات والآداب يعيش وحده، بل لم تدع جزءا من الأجزاء إلا مزجته بأجزاء أخرى، حتى صعب على الباحث أن يرد الأشياء إلى أصولها، ولم تكن هذه العملية كعملية مزج الزيت بالماء، يعود كل عنصر ملتئما مع نوعه مفارقا لغيره، ولكنه كامتزاج السكر بالماء، أو نفحات الأزهار بالهواء. تمتزج فتبقى أبدا، وتتلاقى فلا تفترق أبدا، وكذلك كانت الثقافات، التقت في هذا العصر فكان أول تلاق، وصارت على توالي العصور أشد تلاقيا، وأكثر امتزاجا.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٤٧