2
وسبب ذلك: أن أسهل شيء في الترجمة المعاني المحددة، وأصعب شيء جمال الأسلوب، وإذا كانت طبيعة الأدب العربي ما بينا كان نقله أصعب نقل، وكان أداؤه بلغة غير اللغة العربية ذاهبا ببهجته، مضيعا لجماله.
عمل على نشر نتاج هذه الطبائع المختلفة قوم مختلفون، فوزراء العباسيين ومن نحا نحوهم يؤيدون الثقافة الفارسية، ومدرسة جنديسابور وما تفرع منها تؤيد الثقافة اليونانية، والعرب والأدباء وعلماء اللغة والنحو يؤيدون الثقافة الهندية. وقد نشر هؤلاء جميعا في الجو هذه الثقافات المختلفة، يتنفس كل منها حسب ميوله واستعداده ونوع تعلمه، وكان الوزراء والكتاب أكثر الناس ثقافة فارسية عربية، وكان أطباء القصور النساطرة أكثرهم ثقافة يونانية عربية، وكان المتكلمون على ما يظهر أكثر ثقافة من كل نوع. يقول الجاحظ: «المتكلمون يريدون أن يعلموا كل شيء، ويأبى الله ذلك.»
3
وفي الحق، إن المتكلمين كانوا أكبر عامل من عوامل المزج بين الثقافات المختلفة، من نواح متعددة، فقد كانوا بطبيعة موقفهم الذي شرحناه قبل من دعوة إلى الإسلام مضطرين أن يطلعوا على الأديان الأخرى؛ من مجوسية ويهودية ونصرانية، وكانت اليهودية والنصرانية قد تسلحت بالفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني، فاضطر المتكلمون أن يتسلحوا بنفس سلاحهم، فكانوا أول من أدخل الفلسفة اليونانية في الإسلام، وكان المتكلمون حلقة الاتصال بين من أتى بعدهم من فلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن رشد، وكان موقفهم جديدا لأنهم سلكوا غير طريق السلف، وتعرضوا لمسائل كثيرة لم يتعرض لها من قبلهم، فقام في وجوههم طبقة المحافظين، وعلى رأسهم رجال الحديث، وكانت حربا عوانا نشرحها عند الكلام في المتكلمين إن شاء الله.
كذلك كانوا صلة بين الفلسفة اليونانية والأدب؛ فقد تثقفوا ثقافة يونانية كما رأينا، وتثقفوا ثقافة عربية من لغة وأدب، ومزجوا الاثنتين مزجا تاما. رأوا معاني يونانية وأسماء يونانية، فوضعوا لها كلمات عربية، كما أنهم لدعوتهم إلى الإسلام مضطرون أن يتخيروا خير الألفاظ، وخير التعبيرات، فمرنوا على الخطابة والبلاغة، ووضعوا أسسها، كما وضعوا أساس آداب البحث والمناظرة. قال الجاحظ: «كان كبار المتكلمين ورؤساء النظارين فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء، وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف، وقدوة لكل تابع، ولذلك قالوا العرض والجوهر وأيس وليس، وفرقوا بين البطلان. والتلاشي، وذكروا الهدية والهوية والماهية، وأشباه ذلك.»
4
وقدموا معاني للأدباء والشعراء لم تكن معروفة من قبل، كما قدموا لهم تعبيرات لم تكن، يقول أبو نواس:
تكل عن إدراك تحصيله
عيون أوهام الضمائر
تنتسب الألسن من وصفه
إلى مدى عجز وتقصير
ويقول:
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها
خلقا وخلقا كما قد الشراكان
اثنان لا فصل للمعقول بينهما
معناهما واحد والعدة اثنان
ويقول:
كمن الشنآن فيه لنا
ككمون النار في حجر
ويقول أبو تمام:
جهمية الأوصاف إلا أنهم
قد لقبوها جوهر الأشياء
وقال سعيد بن حميد:
قد قلت بالعدل ولكنني
عدلت في الحب عن العدل
فقلت بالإجبار مستغفرا
لله من قولي ومن فعلي
ويقول ابن الرومي:
ما عذر معتزلي موسر منعت
كفاه معتزليا مثله صفدا
أيزعم القدر المحتوم يبسطه
إن قال ذاك فقد حل الذي عقدا
ويقول الناشئ يفتخر بالكلام والمتكلمين:
ونحن أناس يعرف الناس فضلنا
بألسننا زينت صدور المحافل
ننير وجوه الحق عند جوابنا
إذا أظلمت يوما وجوه المسائل
صمتنا فلم نترك مقالا لصامت
وقلنا فلم نترك مقالا لقائل
ويقول أبو نواس:
وذات خد مورد
قوهية المتجرد
تأمل العين منها
محاسنا ليس تنفذ