تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يجب التنبه له أن كثيرا من حاملي لواء الأدب في ذلك العصر، من شعراء وكتاب، كانوا من أصل فارسي من ناحية الأبوين معا، أو أحدهما، ثم تعلموا اللغة العربية وحذقوها، فكان تجديدهم للأدب مدينا للفرس والعرب معا، فأدخلوا على الأدب العربي عناصر جديدة لم تكن، فبشار الفارسي يخترع تشبيهات جديدة لم يستعملها العرب، وأبو العتاهية زعيم الشعر الديني، والسابق إليه من الموالي، وأبو نواس المتخصص في الخمر وما إليه، والفاتح للناس بابا من الهجاء لم يلجوه من قبل هو نصف فارسي، وكذلك الشأن في الكتاب، وما أدخلوا من أسلوب، كابن المقفع، وسهل بن هارون. كل هؤلاء كانوا من أصل فارسي أو ما يقرب منه، فما أنتجوه من غير شك نتاج للأصل الفارسي والثقافة العربية، وملون بالحياة الاجتماعية التي كان يعيشها العراق. وقل أن نجد من هؤلاء الأدباء من كان من أصل رومي، يتلون بلون الروم، ويتثقف بثقافتهم، وإذا كان الأدب العباسي أساسا كبيرا من أسس الأدب جرى الناس بعد على منواله، وحذوا حذوه. وإذا كان من ساهم في هذا الأساس هم الفرس لا اليونان أمكننا أن نستنتج أن نفوذ اليونان في الأدب العربي ضعيف.

ثم من الحق أن نقول: إن نفوذ العرب في أدبهم، وخاصة في شعرهم؛ كان أقوى من أي نفوذ آخر، فقد ظل الشعر حافظا لأوزانه الجاهلية وتقاليده إلى عصرنا هذا، ولم تستطع أمة بنفوذها مهما عظم أن تحوله. وكل ما قلنا من أثر فارسي فإنما كان في بعض العناصر التي تصب في القالب، لا في القالب نفسه، وأبو نواس يحاول أن يخرج على الجاهليين، ويقول:

صفة الطلول بلاغة القدم

فاجعل صفاتك لابنة الكرم

ولكنه مع هذا لا يستطيع أن يتحرر من قيوده، ولو فعل لما قرئ ولا سمع. ويصف الجاحظ شعور الناس في عصره نحو الشعر الجاهلي والتراث الجاهلي، فيقول: «إنهم يفضلونه على الشعر الإسلامي، وهم به أكثر ولوعا، وأشد تقديرا.» ويقول: «إنهم يعدون حاتما أجود العرب، ولو كان الأمر مفوضا إلى تقدير الرأي لكان ينبغي لغالب بن صعصعة أن يكون من المشهورين بالجود، دون هرم وحاتم. فإن زعمت أن غالبا كان إسلاميا، وكان حاتم في الجاهلية، والناس بمآثر العرب في الجاهلية أشد كلفا فقد صدقت!» ويقول: «إن أيام الإسلام ورجالها لم تكن أكبر في النفوس، وأجل في الصدور من رجال الجاهلية مع قرب العهد ... ومع الإسلام الذي شملهم، وجعله الله تعالى أولى بهم من أرحامهم.»

1

كل هذا جعل تأثير الأدب الجاهلي في الأدب الإسلامي شديدا قويا، وجعل الإسلاميين يحتذون حذوه ولا يخرجون كثيرا عن قيوده، فلئن كانت الثقافات الأجنبية في العلوم واضحة الأثر فأثرها في الأدب خفيف، ولو كان شديدا قويا لأدخلوا على بحور الشعر الجاهلية بحورا فارسية أو يونانية، ولتحرروا أحيانا من القافية، ولأدخلوا ضرب الشعر القصصي والتمثيلي، ولرسموا طريقة جديدة لنهج القصيدة؛ فلم يتقيدوا ببكاء أطلال، ولا وقوف على ديار، ولهجروا الغزل الطويل يدخلون به على مدح الممدوح، ولفعلوا كثيرا من أمثال ذلك، ولحدثت ثورة في الشعر والأدب، فنقلته نقلة جديدة كما حدث في العلوم. نعم حدث تغير من دخول بعض الفنون الشعرية، واصطباغها بصبغة الحياة الاجتماعية ونحو ذلك، ولكنه تغيير خفيف، لا يكاد يرى إلا بالمجهر. كم بين طب العرب في الجاهلية، وطب حنين بن إسحاق وبختيشوع من فرق! وكم بين نظر العربي إلى الأنواء والنجوم، ونظر نوبخت! بل كم بين ما روي من فقه عن ابن مسعود، وما روي عن محمد بن الحسن، ونحو أبي الأسود الدؤلي كما يروون، ونحو سيبويه! ولكنك لا تجد هذه المسافات الواسعة بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي والعباسي.

وعلى الجملة، فقد كانت نواحي التأثير ومصادره ومقداره مختلفة اختلافا كبيرا، وعلى أشد ما يكون من دقة، إن أنت حاولت أن تعبر عن ذلك بأرقام خانتك قوتك، ولم تجد سبيلا لذلك. كل ما نستطيع أن نقوله: إن طبيعة الثقافة اليونانية عقلية منطقية؛ تحاول أن تجعل لكل شيء مقدمات ونتائج. وهذا الضرب تجلى عند المسلمين في الرياضيات والفلسفة وما إليهما، وأتت هذه الأشياء في العهد العباسي ومواضعها خالية تقريبا، فكان من السهل أن تصبغ بالصبغة اليونانية من غير كبير مزاحمة، وطبيعة الثقافة الفارسية على ما وصلت إلينا فلسفة عملية؛ من حكم تصاغ حول العدل والظلم ونظام الحكم، ونحو ذلك مما تراه في الأدب الكبير والصغير لابن المقفع، ليس فيها مجال كبير للنظريات، كما هو الشأن عند اليونان، ولكن تجارب عملية تجرب فتصاغ في قالب حكمة أو مثل، وهذا النوع استساغه العرب في أدبهم؛ لأنه أشبه بأمثالهم، وطبيعة الثقافة الهندية مزيج من حكمة (كالتي قلنا في الفرس تتجلى في مثل كليلة ودمنة)، ومن نظريات فلسفية ورياضية كالتي عند اليونان، ولكن يلاحظ البيروني أنهم لا يجيدون تعليلها، ولا البرهان عليها كما يفعل اليونان. وطبيعة الثقافة العربية الأدبية لسانية، أبين شيء فيها جمالها الفني، وأنها بنت البادية، ونتيجة السليقة، ووليدة الفطرة. وهذا هو السبب فيما حكى الجاحظ؛ إذ يقول: «وقد نقلت كتب الهند وترجمت حكم اليونان، وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنا، وبعضها ما انتقص شيئا. ولو حولت حكمة العرب لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن، مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم التي وضعت لمعاشهم وفطنهم وحكمهم.»

ضحى الإسلام · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٤٥