ومنهم من تثقف بأكثر من ثقافتين، وتأدب بأكثر من أدبين كما سيأتي بيانه.
وفي الحق، إن الجدول العربي كاد يكون مستقى الناس جميعا، إذا نحن استثنينا طائفة من السريانيين الذين يثقفون بالثقافة اليونانية، أو المجوس الذين يتأدبون بالآداب الفارسية، ويدينون بالديانة الزرادشتية وأمثالهم. أما غير هؤلاء فكانوا يأخذون بحظ من الجدول العربي قل أو كثر؛ ذلك لأن الدولة السياسية عربية بخلفائها ولغتها ودينها، ودولة الأدب عربية، فلا يحيا فيها إلا ما كان عربيا، فاضطر كل ذي أدب وكل ذي علم، وكل ذي لغة أن يتعلم اللغة العربية، يصوغ فيها أفكاره وأدبه وعلمه، فمن تبحر في العلوم اليونانية وجب أن يخرج ما علم إلى اللغة العربية، ومن تأدب بالأدب الفارسي فلا قيمة له إلا أن يخرج أدبه باللغة العربية. وإذا كان رياضيا هنديا، أو طبيبا هنديا فليس له حظوة إلا أن يعرب ما علم، وهكذا. لذلك كان هذا الجدول موردا للأدباء والعلماء، وكان من ذلك أن قوما وفروا جهدهم له، يتبحرون فيه ولا يستقون إلا منه. وقوما تبحروا في غيره، ولكن اضطروا إلى وروده فوردوه، يستعينون بمائه على إساغة ما عندهم للناس. •••
وهنا يعترضنا سؤال لا بد منه، وهو: أي أنواع الثقافات كان أكبر أثرا وأشد نفوذا وأقوى سلطانا؛ الثقافة العربية بما لها من لغة وأدب ودين؟ أم الثقافة الفارسية بما لها من نظام وأدب؟ أم الثقافة اليونانية بما لها من علم وفلسفة؟ وإن شئت وضعت السؤال بهذه الصيغة: أي الثقافات كان أكثر تأثيرا في الثقافة العربية؛ الثقافة الفارسية، أم الثقافة اليونانية؟ نعم، كلتا الثقافتين لونت الثقافة العربية بلون ما كان يكون لولاها، ولكن أي اللونين كان زاهيا ناضرا، وأيهما كان ضعيفا شاحبا.
ذلك سؤال عويص، ولكن يظهر لي أن أسد طريق ألا نجيب إجابة مطلقة، أن نقول: إن كل ثقافة من هذه الثقافات كانت لها «منطقة نفوذ» لا تكاد تزاحمها فيهما الثقافة الأخرى، فالعلوم الرياضية من حساب وجبر وهندسة وفلك وطب وما إليه، وفلسفة وما إليها؛ كانت منطقة النفوذ اليوناني، تزاحمها فيها الثقافة الهندية، ولكن مزاحمة غير عنيفة. فأساس هذه الأشياء كلها عند المسلمين هو الأساس اليوناني، وإن كان بعض أركانه هنديا، والمنهج الذي اتبع في هذه العلوم منهج يوناني في منطقه وطريقة تأليفه، وما علق عليه من شروح. وكتب هذه العلوم عليها مسحة خاصة؛ هي غير المسحة الأدبية، وهي غير المسحة الجغرافية والتاريخية؛ هي مسحة يونانية بحتة؛ لأنها تأثرت كل التأثر بما ترجم من اليونان، وظلت حافظة لشكلها، حتى ألف المسلمون فيها. وقد بدأت الرياضة الهندية والفلك الهندي تدخل في ثنايا ما ألف المسلمون في هذه العلوم، ولكنها ما لبثت أن ذابت.
أما الأدب، فلم يتأثر كثيرا بالأدب اليوناني، وهذا ظاهر فيما ألف من الكتب في هذا العصر، فمنهجها غريب لا يتصل بسبب إلى المنهج اليوناني، فلا أثر للترتيب المنطقي فيه، ولا ترى وحدة للكتاب ولا للباب، كما رأينا في كتاب الكامل للمبرد، وكما نرى في البيان والتبيين للجاحظ؛ إنما هي جزئيات جمعت حيثما اتفق، هي أشبه بسمر العلماء في المجالس. فأما موضوع واحد يرتب فيه كل ما يراد أن يقال وتسلسل أفكاره، وتسلمك ألفه إلى يائه بالتدريج كما يفعل العقل اليوناني؛ فذلك ما لا نجده في كتب الأدب العربي.
هذا من ناحية الشكل، وأما من ناحية الموضوع؛ فإن ما فيها من أدب شرقي فارسي أو هندي أكثر مما فيها من أثر يوناني، ففيها الحكم عن أردشير وبزرجمهر أكثر مما عن أفلاطون وأرسطو، وفيها نظام الحكم الفارسي لا نظام الحكم اليوناني، وفيها تصور للعدل وطبقات الناس، كما يتصوره الفرس، وفيها توقيعات الملوك وقصصهم مع رعيتهم على النحو الفارسي لا النحو اليوناني، وعلى الجملة فنفوذ الفرس في الأدب نفوذ اليونان. وقد حاولنا فيما سبق بيان السبب في ذلك.