تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الإسلام بتعاليمه ونظم حكمه أظل كل الأمم الإسلامية على اختلاف أنواعها؛ من آريين وساميين وحاميين، يخضعون لسلطانه، ويجرون في نظامهم وقضائهم ومعاملاتهم على ما قنن من أحكامه. ومن أجل هذا أخذت الفروق بين الأمم تتقلص ويحل محلها وحدة إسلامية. ومن أجل ذلك أيضا كانت هذه الوحدة متجلية في العصر العباسي أكثر مما كان في العهد الأموي، ودخل الإسلام في الحياة العامة وفي السياسة وفي الإدارة، وتأثر التشريع بعادات الناس، وتأثرت عادت الناس بالتشريع.

كان الإسلام دينا في مكة، وكان دينا وحكما في المدينة، وكان دينا وحكما ومدنية في بغداد وسائر المملكة الإسلامية في العصر العباسي. ولعل هذا من الأسباب التي دعت إلى دخول كثيرين في الإسلام في ذلك العصر؛ فقد كان الناس يتنفسون إسلاما أينما حلوا؛ في البيت، في الشارع، في المحكمة، في المعاملات التجارية، في الضرائب، في التعليم، في كل مرافق الحياة. •••

وبعد فقد كان للإسلام ثقافة واسعة؛ من تفسير للقرآن، واشتغال بالحديث، وتشريع للأحكام، ولكن محل ذلك كله الكلام في الحركة العلمية إن شاء الله.

الفصل الثاني عشر

| امتزاج الثقافات

هذه الثقافات التي ذكرنا؛ من فارسية، وهندية، ويونانية وعربية، ومن يهودية ونصرانية وإسلام التقت كلها في العراق في عصرنا الذي نؤرخه. ولكن كل ثقافة في أول أمرها كانت تشق لنفسها جدولا خاصا بها، يمتاز بلونه وطعمه، ثم لم تلبث إلا قليلا حتى تلاقت، وكونت نهرا عظيما تصب فيه جداول مختلفة الألوان والطعوم، مختلفة العناصر.

والعلماء على اختلاف أنواعهم لم يكونوا كلهم يستسيغون ماء النهر الأعظم، ولا يتذوقون طعمه؛ فكان منهم من يخرج إلى بادية العراق يرد الجدول العربي صافيا، قبل أن تكدره الحضارة، يستقي منه ما شاء أن يستقي، ويعود إلى الحضر وقد تزود مما استساغه من ماء يعيش عليه، ولا يشرب إلا منه، وإذا استسقي فلا يسقي إلا منه. أولئك أمثال الأصمعي الذي حفظ كما يقولون اثني عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب، وحفظ الكثير من قصائدهم ونوادرهم ولغتهم، وتخصص لذلك، يؤلف فيه ويعلم في المسجد ويحاضر، وكحماد الراوية، وخلف الأحمر، والمفضل الضبي، وأبي عمرو الشيباني، ومحمد بن سلام الجمحي، فهؤلاء كانوا لا يعجبهم إلا الجدول العربي، يرحلون إليه، ويأخذون منه، ويتنقلون في قبائله، ويروون شعره ولغته وأدبه، ويقصون نوادره مهما تفهت، ويحبون كل شيء له، ثم يذهبون إلى العراق يعلنون عن مائه، ويبشرون بعذوبته وصفائه، فإن عرض لهم ماء من جدول آخر عافوه واستكرهوه ومجته نفوسهم.

ومنهم من كان لا يحب إلا الجدول اليوناني، يتعلم كتبه ولغته، ويستلهم مؤلفاته، ولا يرى العقل إلا فيه، ولا الحكمة إلا صادرة عنه ومقتبسة منه؛ كأطباء السريان في ذلك العصر، وهكذا.

ومن الناس من يستقي من جدولين، يرد هذا مرة وذاك مرة، حتى إذا عل ونهل ملأ منهما كل آنيته، وعاد فمزج العنصرين، وكون منهما شرابا جديدا يستسيغه الناس فيعجبون به ويستطعمونه؛ كالذي فعل أبو عبيدة معمر بن المثنى، فهو مولى فارسي، اطلع على آداب الفرس وأخبارها وملوكها وحكمائها ومحاسنها ومساوئها، وعرف أخبار العرب وقبائلها ولغتها وأقاصيصها، وحقائقها وخرافاتها، وروى أيام العرب التي يتناقلها المؤرخون إلى اليوم. فكان واسع الاطلاع في الأدبين العربي والفارسي، وكان يجلس إلى الناس فيحدث بأخبار هؤلاء وهؤلاء، ويقارن بين مفاخر العرب ومفاخر الفرس، ويؤلف الكتب في هذا وفي ذاك، يؤلف في «فضائل الفرس»، و«مآثر العرب» ومثالبهم، فطلع على الناس بثقافتين في وعاء واحد، فكرهه من تعصب للعرب، ورأوا ماءه ليس صافيا، ولا طعمه بالذي ألفوه واعتادوا الري به. وأحبه من ينزع إلى الفرس كالموصلي وأبي نواس، ومن يفسح صدره لكل علم وخبر، ويرى الحكمة ضالة المؤمن ينشدها حيث وجدها كالجاحظ.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٤٣