تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كثرت المذاهب والنحل في ذلك العصر كثرة مدهشة، حتى يصفهم المأمون فيقول: «وطائفة قد اتخذ كل رجل منهم مجلسا، اعتقد به رئاسة، لعله يدعو فئة إلى ضرب من البدعة. ثم لعل كل رجل منهم يعادي من خالفه في الأمر الذي عقد به رئاسة بدعة ويشيط بذمه، وهو قد خالفه من أمر الدين بما هو أعظم من ذلك، إلا أن ذلك أمر لا رئاسة له فيه فسالمه عليه.»

92 ... إلخ. ونستعرض أسماء الفرق والمذاهب في كتاب الملل والنحل للشهرستاني، فندهش لكثرتها واختلافاتها. وهذه كلها كانت تنظر إلى القرآن الكريم بعين مذهبها، وتفسره بما يلائمه؛ فالمعتزلي يطبق القرآن على مذهبه في الاختيار والصفات والتحسين والتقبيح العقليين، ويؤول ما لايتفق ومذهبه، وكذلك يفعل الشيعي، وذلك يختلف كل الاختلاف عن نظر المسلمين الأولين إلى القرآن.

كان القرآن يدعو إلى الإيمان من طريقين: طريق النظر إلى العالم نفسه، وطريق التاريخ؛ فهو يرى أن نظر الإنسان إلى العالم يدعم إيمانه ويقوي يقينه؛ ففي الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، والإبل كيف خلقت والأرض كيف سطحت، آيات على الله، كما أن في الأحداث التاريخية من الأنبياء وأممهم ما يدعو إلى الإيمان، وهذا النظر يناسب الناس على اختلافهم؛ ففي استطاعة العالم والجاهل أن ينال الإيمان من هذا الطريق، والدعوة إلى الحياة الروحية وحدها هي الدعوة التي يمكن أن توجه إلى الناس كافة، فلما أولع العلماء بالفلسفة اليونانية في العصر العباسي حولوا اتجاه القرآن نفسه إلى نوع من الثقافة العقلية والبراهين المنطقية، ودرسوا القرآن على النحو الذي يدرسون به الحساب والهندسة والهيئة، فكان في ذلك إضرار بالدين من ناحيته القلبية، ونتج عن ذلك تعقيد العقيدة الإسلامية السهلة السمحة، حتى صار يمثلها تعاليم المتكلمين من معتزلة وأشعرية، وأصبح أخيرا يمثلها «العقائد النسفية» و«متن السنوسية»، وشعر بهذا النقص قوم من الصوفية المخلصين، فدعوا إلى الإسلام من منهجه الأول، ولكن سرعان ما تحول بعضهم أيضا إلى الفلسفة يستمد منها، كما سنبينه إن شاء الله.

وكان كلما تعمق المسلمون في العلوم والفلسفة نظروا إلى القرآن من خلالها، فإذا أتت آية في الرعد والبرق شرحوها بكل ما وصل إليه علمهم في الظواهر الجوية، وإذا أتت آية في النجوم والسماء طبقوا ما علموا من علم الهيئة، وإذا أتت إشارة في آية إلى جبر أو اختيار عدوا مذاهب المتكلمين فيها، وإذا أتت مسألة نحوية أفاضوا في الخلافات النحوية بين البصريين والكوفيين. وعلى الجملة، فقد كدسوا كل ما عرفوا من علوم الآيات القرآنية، وتضخم ذلك على توالي الأزمان، كما ترى بعد في تفسير الفخر الرازي؛ فيه كل شيء وصل إليه المسلمون إلا شيئا واحدا، هو شرح روح القرآن. •••

ولكن إن كانت هذه نقطة ضعف في الفلسفة والعلوم من ناحية الدين؛ فقد كان لها فضل كبير من الناحية الدينية أيضا، ذلك أن الناس واجهوا مشكلة كبرى في العصر العباسي، رأوا مدنيات عظيمة لأمم مختلفة ورثتها المملكة الإسلامية، ورأوا عادات مختلفة لأمم متعددة في جميع مناحي الحياة، ورأوا معاملات تجارية، ونظما للأحوال الشخصية تأثرت بديانات الأمم المختلفة. وهكذا في كل ناحية من النواحي الاجتماعية؛ سواء كانت نواحي اقتصادية أم سياسية أم قانونية. ورأوا من ناحية أخرى أن الإسلام أتى بأصول يجب المحافظة عليها، وأتت فيه نصوص كذلك على جزئيات يجب مراعاتها، ولكن في كل عصر تحدث من الأقضية والأحداث ما لم يكن حدث من قبل، ولم يرد فيه نص، فكان أمام العلماء أن ينظروا بإحدى العينين إلى قواعد الإسلام وتعاليمه، وبالعين الأخرى إلى المدنية العباسية، وما جد فيها من مظاهر وأحداث شتى، وكان لا بد من أن يطبقوا قواعد الإسلام على تلك الأحداث، ولم يكن هذا بالأمر الهين. نعم عرضت هذه المشكلة في تاريخ الإسلام من قبل العباسيين، قد واجهها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بعد أن فتحت الفتوح ومصرت الأمصار، ودخلت أمم مختلفة العقائد والنظم واللغات تحت حكم الإسلام، وبذل من الجهد هو ومن حوله من العلماء ما لا يقدر، وضرب مثلا صالحا لمن يأتي بعده، ولذلك نص المشرعون على العمل برأيه في كثير من نظم الفتح والجهاد والضرائب، ونحو ذلك، وعدوه مثلهم الذي يحتذى، وواجه هذه المشكلة الأمويون فحوروا في نظم الدواوين والنقود ونحوها، فخطوا بذلك خطوة ثانية، ولكن المشكلة أمام العباسيين كانت أعقد؛ لأن دهشة الفتح قد زالت، والأمم التي دخلت في الإسلام استقرت ونسلت جيلا جديدا، ورث من آبائه وورث من المسلمين. والعباسيون كما رأينا قبل لم يشاءوا أن يعيشوا عيشة ساذجة كمن قبلهم من الأمويين، وتغلبت العناصر الأخرى كالفرس ذات الحضارة المركبة، فكان من ذلك كله أن أرادوا أن يضعوا نظما كاملة شاملة، وأن يواجهوا هذه المشاكل ويحلوها حلا بقوانين ومبادئ لا بأمر جزئي، ولا برأي فرعي، فأعانتهم العلوم في ذلك العصر على هذا كله، ولولا العلوم ما استطاعوا، فرأينا أبا يوسف في كتابه «الخراج» يضع النظام المالي لدولة الرشيد، فيقرر نظام الأرض ومسحها، وما يؤخذ منها وكيف يكون ذلك، ويضع نظام ضرائب غير الأرض مما يخرج من البحر ونحوه، ويضع نظام الري من الآبار والأنهار، ونجد الأئمة الأربعة وغير الأربعة يجتهدون في وضع القوانين من مالية وجنائية، وما يسمى بالأحوال الشخصية، وغير الفقهاء يضعون نظما إدارية كنظام الشرطة والجند والجيش، وقد تتعارض نظم الفقهاء مع نظم الإداريين فينظر في التوفيق بينهما، ويوضع نظام البريد والمصانع والتجارة ونحوها؛ كل هذه حركات كانت في الدولة العباسية نشيطة قوية، وكانت خاضعة في مبادئها للقواعد الأساسية للإسلام. وبذلك نستطيع أن نقول: إنه في هذا العصر قنن الإسلام وأصبح هو النظام لحكومة ممدنة بالمعنى العصري. نعم كان هناك خروج عن الإسلام في بعض التصرفات، وكان هناك نقص في تنفيذ الأحكام القضائية، وكان هناك نقص في إعطاء الأحكام الفقهية سلطة القانون، ولكن هذا لا ينقض ما ذكرنا من أن الروح العامة في التشريع ووضع النظم كانت تتقيد بأصول الإسلام، وأنه لولا اشتغال المسلمين بالعلم في فروعه المختلفة ما كان يمكن ذلك.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٤٢