88
وكان القاسم بن محمد يلبس الخز، وسالم بن عبد الله يلبس الصوف، ويقعدان في مسجد المدينة، فلا ينكر هذا على هذا، ولا ذا على هذا.»
89
وكان هناك نزعة لبعض الصحابة في الغلو في الدين، فقاومها رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ كالذي كان بينه وبين عبد الله بن عمرو؛ فقد بلغه أنه لا ينام ولا يفطر، ولا يؤدي حقوق أهله انهماكا في العبادة. فقال له رسول الله: «يا عبد الله إن لك في رسول الله أسوة حسنة، فرسول الله يصوم ويفطر ويأكل اللحم، ويؤدي إلى أهله حقوقهم. يا عبد الله إن لله عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا.»
وبعد هذا رأينا تشددا في دين ، وابتداعا لتقاليد، وغلوا في نواح مختلفة؛ منهم من يلبس الصوف ويلتزمه، ومنهم من يغلو في الإنكار عليهم: «قدم حماد بن سلمة البصرة، فجاءه فرقد السبخي، وعليه ثياب صوف؛ فقال له حماد: دع عنك نصرانيتك!»
90
وقال ابن السماك لأصحاب الصوف: والله لئن كان لباسكم وفقا لسرائركم، فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لقد هلكتم.» وكان بعض الموالي يتشدد في الوضوء والطهارة، ويغلو في ذلك غلوا لا يعرفه العرب، فكان العرب يكرهون منهم ذلك.
91
إلى كثير من أمثال هذا.
وهناك ما هو أهم من هذا، ذلك أن الناس في عصر النبي
صلى الله عليه وسلم
وبعده كانوا يقرءون القرآن أو يسمعونه فيعنون بتفهم روحه، فإن عني علماؤهم بشيء وراء ذلك فما يوضح الآية من سبب للنزول، أو استشهاد بأبيات من أشعار العرب تفسر لفظا غريبا، أو أسلوبا غامضا. وأكثر ما روي لنا في الطبري وغيره عن الصحابة في تفسير القرآن هو من هذا القبيل، وما عرفنا في العصر الأول انحياز الصحابة إلى مذاهب دينية، وآراء في الملل والنحل، فلما كنا في آخر العصر الأموي رأينا الكلام في القدر، ورأينا المتكلمين فيه ينظرون إلى القرآن من خلال عقيدتهم، فمن قال بالجبر أول كل آيات الاختيار، ومن قال بالاختيار أول كل آيات الجبر. وسال بعد ذلك السيل في العصر العباسي، فصارت كل طائفة وأصحاب كل مذهب ينظرون إليه من خلال مذاهبهم. ولئن كان هذا النظر أفاد من ناحية الجدال بين المسلمين وغيرهم، والدعوة إلى الإسلام كما بينا في موقف المعتزلة؛ فقد أساء بإضعاف الروح الدينية وما كانت توحيه من إحياء القلب. أصبح علماء الكلام والمذاهب الدينية ينظرون إلى القرآن من خلال الفلسفة اليونانية، وذلك إن كان فيه مران عقلي وتوسيع لبعض مناحي الفكر، ففيه إضعاف لقوة الروح وحماسة القلب؛ سواء في ذلك المعتزلة والأشعرية والماتريدية، فكلهم استخدموا الأدلة اليونانية في العقائد الدينية، وهي غير الطريقة التي نحاها القرآن الكريم في الدعوة إلى الدين، لقد كادوا بعملهم هذا يقطعون الصلة بين العقل والقلب، وينمون الناحية العقلية على حساب قوة العاطفة، إن شئت فاقرأ لإثبات قدرة الله قوله تعالى:
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون
ثم اقرأ في كتب علم الكلام الجدل بين الأشعرية والماتريدية في أن القدرة صفة أزلية تتعلق وفق الإرادة، بمعنى صحة صدور الأثر والتمكن من الترك كما يقول الماتريدية، أو هي صفة تؤثر في المقدورات عند تعلقها بها كما يقول الأشاعرة، فكم من الفرق بين المنهجين والروحين! أهم غرض للقرآن الكريم أن يحيي الشعور ببيان علاقة الإنسان القوية بالله والعالم، وأن يعمل على ذلك بتغذية الحياة الروحية، أما المتكلمون فأرادوا أن يصلوا إلى ذلك من طريق المنطق، وشتان بين الطريقين! فحياة المنطق لا تملأ القلب حماسة، ولا تبعث في النفس حرارة إيمان، إنما تفعل ذلك الحياة الروحية.