30
كره الموالي الحكم الأموي كراهة عميقة، فسعوا في إسقاطه، وقد كانت وجهة نظرهم أن الأمويين لم يعدلوا في حكمهم لنا، وترقبنا انتقال الأمر من خليفة إلى خليفة. فكان أمر الظلم على السواء، اللهم إلا إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز؛ وهو فذ، وليس في الإمكان أن نحور الأمر من العرب إلى الفرس، فيكونوا هم الحاكمين؛ لأن السلطة الكبرى لا تزال في يد العرب، ولأنه إذا أثيرت هذه الدعوة تجمع العرب وغير الفرس من الموالي علينا. فلندع إذن إلى نقل الخلافة من يد الأمويين إلى يد الهاشميين، فنجد القلوب مستعدة لقبول الدعوة لأن الهاشميين عرب، ولأنهم أقرب إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ،من الأمويين، وهذا يسرع في قبول الدعوة ويصبغها بصبغة دينية. وأخيرا فنحن إذا عضدنا الهاشميين رأوا أنهم وصلوا إلى الحكم بمعونتنا، ونجحوا بتدبيرنا. فيكون ظاهر الحكم لهم وباطنه لنا، نتولى المناصب العالية، وندير شئون الدولة ونترك لهم أبهة الخلافة، ومظهرها الخارجي؛ فلهم الشكل ولنا الجوهر. لعل هذا كان أهم ما يدور في خلد المؤسسين من الفرس للدعوة العباسية. قال نصر بن سيار يخاطب النزارية واليمانية ويحذرهم هذا العدو الداخل عليهم، بقوله:
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتهم
فليغضبوا قبل ألا ينفع الغضب
ولينصبوا الحرب إن القوم قد نصبوا
حربا، يحرق في حافاتها الحطب
ما بالكم تلقحون الحرب بينكم
كأن أهل الحجا عن رأيكم عزب
وتتركون عدوا قد أظلكمو
مما تأشب، لا دين، ولا حسب
قدما يدينون دينا ما سمعت به
عن الرسول، ولم تنزل به الكتب
فمن يكن سائلا عن أصل دينهمو
فإن دينهمو: أن تقتل العرب
31
وكتب إبراهيم الإمام لأبي مسلم الخراساني: «إن استطعت ألا تدع بخراسان أحدا يتكلم بالعربية إلا قتلته فافعل! وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، وعليك بمضر فإنهم العدو القريب الدار فأبد خضراءهم، ولا تدع على الأرض منهم ديارا.»
32
كانت خراسان مهد الدعوة العباسية، وكانت قطرا عظيما، يبلغ نحو ضعف ما يطلق الاسم عليه الآن. وقد تولاها أمراء من العرب بين مضري ويماني؛ فكانوا يحكمون حكما عربيا، بل قبليا؛ فأجج ذلك نار الحقد بين العرب والفرس أولا، وبين اليمانيين والمضريين ثانيا، فالأزديون يمثلون اليمانيين، وتميم وقيس يمثلون المضريين، وكل يعمل للزعامة والغلبة، فإذا تولاها يماني واسى اليمانيين وحدهم، وحقر من شأن غيرهم، والعكس، والفرس بين هؤلاء وهؤلاء ضائعون، تولى خراسان المهلب ابن أبي صفرة وآله عهدا طويلا، وهم أزديون (أي يمانيون) فكانت السلطة بيدهم، وحكموا حكما عربيا قبليا، وكانوا في منتهى الثروة والغنى، فكانوا يمدون اليمانيين أولا بمالهم وبجاههم. قال المدائني: «باع وكيل يزيد بن المهلب بطيخا جاءه من مغل بعض أملاكه بأربعين ألف درهم، فبلغ ذلك يزيد؛ فقال له يزيد: تركتنا بقالين، أما كان في عجائز الأزد من تقسمه فيهن؟»،
33
وكان عمر بن عبد العزيز يبغض يزيد بن المهلب وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم.
34
وتولى قتيبة بن مسلم وكان باهليا أي مضريا؛ «فتنكرت له أمراء القبائل لإذلاله إياهم، واستهانته بهم، واستطالته عليهم.»
35
وأخيرا تولى خراسان نصر بن سيار، وكان مضريا كذلك؛ «فمكثت أربع سنين لا يستعمل في خراسان إلا مضريا.»
36
لهذا وأمثاله ساءت العلاقة بين اليمانيين والمضريين.
فلما شعروا باجتماع الفرس عليهم فكروا أن يجمعوا كلمتهم، ويوحدوا صفوفهم، فقد رأينا نصر بن سيار ينبه العرب إلى أن الفرس تريد أن تهلك العرب، فأولى أن يتحد العرب كما اتحد الفرس، بل نرى أن الأمر قد وصل إلى أكثر من ذلك؛ «فقد تواعدت قبائل العرب من ربيعة ، ومضر واليمن على وضع الحرب، والاجتماع على قتال أبي مسلم الخراساني.»
37
ولكن أبا مسلم وقومه بدهائهم أججوا نار الفتنة بين قبائل العرب من جديد، «فجعل أبو مسلم يكتب إلى شيبان الخارجي يذم اليمانية تارة، ومضر أخرى. ويوصي الرسول بكتاب مضر؛ أن يتعرض لليمانية ليقرءوا ذم مضر، والرسول بكتاب اليمانية؛ أن يتعرض لمضر ليقرءوا ذم اليمانية.»