صلى الله عليه وسلم ، مع إجماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان الذي أوحشك هذا، حتى أنكرت كتابنا؛ فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع ما في التوراة والإنجيل متفقا على تأويله كالاتفاق على تنزيله، ولا يكون بين الملتين من اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات ... ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا تحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية. ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة. فرجع الرجل إلى الإسلام فخر المأمون ساجدا لله، ثم قال لأصحابه: لا تبروه في يومه ريثما يعتق إسلامه كيلا يقول عدوه إنه يسلم رغبة، ولا تنسوا نصيبكم من بره ونصرته وتأنيسه.
74
على كل حال نشط الخلفاء العباسيون الأولون في الدعوة إلى الإسلام، ولكن قل أن كان منهم إكراه على الدخول في الإسلام، كما رأينا في موقف المأمون نحو يزدانبخت، فقد اعترف بأن المأمون لا يجبر الناس على ترك مذاهبهم، وأقره المأمون على قوله، يقول الأستاذ «فنسنك»: «ومع أن نصارى الشرق كان يقل عددهم باعتناقهم الإسلام، فقل منهم من أسلم كرها.»
75
نعم، صدر من بعض الخلفاء في ذلك العصر من اشتد في معاملة المسيحيين، كالذي رواه الطبري في حوادث سنة 191؛ فقد قال: «إن الرشيد أمر بهدم الكنائس بالثغور، وكتب إلى السندي بن شاهك يأمره بأخذ أهل الذمة بمدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم.»
76
ولكن هذا وأمثاله كان أثرا من آثار سوء العلاقات السياسية بين الدولة الإسلامية والمملكة البيزنطية، لا أثرا للتعاليم الدينية، وإلا فلم كان أمر الرشيد مختصا بأهل الذمة في بغداد، دون سائر الأقطار الإسلامية؟ وظلت الأوامر بمخالفة الذميين في لباسهم والتشديد عليهم تنمو مع نمو سوء العلاقات السياسية، حتى بلغت أشدها في أيام الحروب الصليبية؛ صدى لما كان من معاملة الروم للمسلمين.
كذلك لا ننكر أن بعض من أسلم إنما أسلم لنيل الجاه والمنصب، كالذي كان من كاووس ملك أشروسنه، فإنه لما غلب في الحرب أظهر الإسلام، وكذلك ابنه حيدر المعروف بالأفشين، والذي مات في سجن المعتصم لزندقته كما أبنا من قبل.
77
وحكى الجهشياري أن الفضل بين سهل (وكان مجوسيا) نقل ليحيى بن خالد البرمكي كتابا من الفارسية إلى العربية، فأعجب بفهمه وبجودة عبارته، فقال له يحيى: إني أراك ذكيا وستبلغ مبلغا رفيعا، فأسلم حتى أجد السبيل إلى إدخالك في أمورنا، والإحسان إليك. فقال: نعم، أصلح الله الوزير، أسلم على يديك. فقال له يحيى: لا، ودعا بسلام مولاه فقال: خذ بيد ذا الفتى وامض به إلى جعفر وقل له يدخله على المأمون (وكان المأمون في حجر جعفر) حتى يسلم على يديه. ففعل وأسلم على يد المأمون.
78
وهو الذي صار فيما بعد وزير المأمون، والذي لقب بذي الرياستين. كما أسلم بعض الناس فرارا من الجزية، حتى إن بعض الولاة كتب إلى الحجاج: «إن الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمة قد أسلموا، ولحقوا بالأمصار، فأخذ الحجاج منهم الجزية مع إسلامهم، وجعل قراء البصرة يبكون لما يرون!»
79
ولكن هذه الجزية لم تكن بالمرهقة؛ «فهي لا تؤخذ من المسكين الذي يتصدق عليه، ولا من أعمى لا حرفة له ولا عمل، ولا من ذمي يتصدق عليه، ولا من المترهبين الذين في الديارات إذا لم يكونوا من أهل اليسار، ولا تؤخذ الجزية من الشيخ الكبير الذي لا يستطيع العمل ولا شيء له.»
80
ويدفع الغني 48 درهما كل سنة، ويدفع الوسط 24 درهما، والعمال والصناع ونحوهم 12 درهما
81
وهذا مقدار محتمل، لا يدعو كثيرين أن يهربوا من دينهم.
وكما أثر النصارى في المذاهب الإسلامية، والعادات كما أسلفنا أثر المسلمون في النصارى، فقد ظهر بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الإسلام. من ذلك أنه في القرن الثامن الميلادي (أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين) ظهرت في سبتمانيا