تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

64

عرف المعتزلة المانوية واليهودية والنصرانية معرفة واسعة، كما عرف علماء هؤلاء الطوائف الإسلام، وبذل كل فريق الجهد في الدعوة إلى دينه والرد على مخالفيه، فأسلم على يديهم كثيرون. يقول المرتضى إنه أسلم على يد أبي الهذيل العلاف (شيخ المعتزلة) أكثر من ثلاثة آلاف رجل.

65

ويقول ابن خلكان: «إن لأبي الهذيل كتابا يعرف بميلاس، وكان ميلاس رجلا مجوسيا فأسلم، وكان سبب إسلامه أنه جمع بين أبي الهذيل المذكور، وجماعة من الثنوية فقطعهم

66

أبو الهذيل، فأسلم ميلاس عند ذلك.»

67

وحكى الجاحظ «أن قسا نصرانيا راهن على أن الصليب الذي في عنقه من خشب لا يحترق؛ لأنه من العود الذي كان المسيح عليه السلام صلب عليه، وكاد يفتن بذلك ناسا من غير أهل النظر حتى فطن له بعض المتكلمين، فأتاهم بقطعة عود تكون بكرمان، فكانت أبقى على النار من صليبه.»

68

وحكى المرتضى في أماليه «أن أبا الهذيل في حداثته بلغه أن رجلا يهوديا قدم البصرة، وقطع جماعة من متكلميها، فقال لعمه: يا عم امض بي إلى هذا اليهودي حتى أكلمه. وألح عليه في ذلك، فذهب إليه وما زال به حتى أفحمه.»

69

ويذكر ابن خلكان أن واصلا ألف فيما ألف كتابا في الدعوة، والظاهر أنه في الدعوة إلى الإسلام، أو الدعوة إلى مذهب الاعتزال. وقد رأينا قبل أن الجاحظ يؤلف رسالة في النصارى، يذكر حججهم ويرد عليها، ويرى ابن النديم: أن المأمون أرسل إلى يزدانبخت (أحد رؤساء المانوية)، فأحضره من الري بعد أن أمنه، فقطعه المتكلمون، فقال له المأمون: أسلم يا يزدانبخت فلولا ما أعطيناه إياك من الأمان لكان لنا ولك شأن! فقال له يزدانبخت: نصيحتك يا أمير المؤمنين مسموعة وقولك مقبول، ولكنك ممن لا يجبر الناس على ترك مذاهبهم. فقال المأمون: أجل، ووكل به حفظة خوفا «عليه من الغوغاء، وكان فصيحا لسنا.»

70

وبجانب هؤلاء العقليين الذين يدعون إلى الإسلام من طريق العقل والحجج المنطقية؛ كان من يدعو إلى الإسلام من طريق السيرة الطاهرة ، والخلق النبيل، والحياة الصالحة، فكان داعيا من طريق المثل، ومن ذلك ما حكى ابن خلكان «قيل إنه أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفا من النصارى واليهود والمجوس.»

71

أو من طريق الوعظ والتصوف، فأبو القاسم الجنيد يقف على حلقته في المسجد غلام نصراني ويسلم،

72

وبعد هذا العصر كان أبو الفرج بن الجوزي واعظا مؤثرا، وقد أسلم على يده كثيرون.

وكان الخلفاء العباسيون من أنشط الخلفاء في الدعوة إلى الإسلام للصبغة الدينية التي شرحناها قبل.

وكان المأمون من أحرصهم على ذلك، فحوله المتكلمون، يدعون إلى الإسلام، وهو بجنده ينشر دعوته. روى البلاذري قال: «لما استخلف المأمون أغزى السعد وأشرثوسنه، ومن انتقض عليه من أهل فرغانة، الجند، وألح عليهم بالحروب بالغارات أيام مقامه بخراسان وبعد ذلك، وكان مع تسريته الخيول إليهم يكاتبهم بالدعاء إلى الإسلام والطاعة، والترغيب فيهما.» وقال: «وكان المأمون - رحمه الله - يكتب إلى عماله على خراسان في غزو من لم يكن على الطاعة والإسلام من أهل ما وراء النهر، ويوجه رسله فيفرضون لمن رغب في الديوان، ويستميلهم برغبة فإذا وردوا بابه شرفه وأسنى صلاتهم وأرزاقهم، ثم استخلف المعتصم بالله فكان على مثل ذلك حتى صار جل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر من السعد والأشروسنه وأهل الشاش، وغيرهم، وحضر ملوكهم بابه وغلب الإسلام على من هناك.»

73

وكان رجل من خراسان نصرانيا فأسلم فارتد، فأمر المأمون بحمله إلى بغداد، فسأله: ما الذي أوحشك من الإسلام؟ فقال المرتد: أوحشني ما رأيت من كثرة الاختلاف في دينكم! قال المأمون: فإن لنا اختلافين؛ أحدهما كالاختلاف في الآذان، وتكبير الجنائز، والاختلافات في التشهد وصلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا، وما إلى ذلك، وليس هذا باختلاف، إنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذن مثنى وأقام فرادى لم يؤثم من أذن مثنى وأقام مثنى، لا يتعايرون ولا يتعايبون، أنت ترى ذلك عيانا، وتشهد عليه بيانا. والاختلاف الآخر كنحو الاختلاف في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبينا

ضحى الإسلام · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٣٨