تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منهم من كان يسلم اقتناعا بالإسلام، وإيمانا ببساطة عقيدته ويسرها وسهولة فهمها، فيكفي أن يقول الرجل: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»؛ ليعد مسلما من غير مراسم ولا طقوس، وفي أي مكان وعلى يد أي إنسان.

وساعد على ذلك ما لاحظه الأستاذ أرنولد «من أن المذاهب النصرانية من يعاقبة ونساطرة وملكانية وغيرها، كان بينها من العداء واضطهاد بعضها بعضا أشد مما كان بين أهل دين ودين آخر، فليس عجيبا أن يهرب آلاف من هذا الاضطهاد والعذاب، ويلجئوا إلى عقيدة سهلة هي عقيدة الوحدانية.»

59

وقد عمل - بجد - في نشر الدعوة في ذلك العصر المتكلمون من المسلمين وعلى رأسهم المعتزلة؛ ذلك أن هؤلاء المتكلمين هم الذين كانوا يبحثون في الإسلام، ويعللون آراءه وتعاليمه من طريق العقل، على حين أن المحدثين والمفسرين وأمثالهم كانوا يخدمون الإسلام من طريق النقل، فاضطر المتكلمون تمشيا مع العقل أن يتسلحوا بكل ما يعينهم في سبيلهم، فاستعانوا بالمنطق اليوناني يصوغون في قوالبه قضاياهم، وعرفوا آداب الجدل والمناظرة وتقيدوا بقوانينها، وقرءوا بعض كتب الفلسفة اليونانية، فيذكر المرتضى «أن النظام كان قد نظر في شيء من كتب الفلاسفة، فلما ورد البصرة كان يرى أنه قد أورد من لطيف الكلام ما لم يسبق علمه إلى أبي الهذيل العلاف. قال فناظرت أبا الهذيل في ذلك، فخيل إلي أنه لم يكن متشاغلا قط إلا به لتصرفه فيه وحذقه في المناظرة فيه.»

60

ويقول في موضع آخر: «إن جعفر بن يحيى البرمكي ذكر أرسططاليس، فقال النظام: قد نقضت عليه كتابه، فقال: جعفر كيف وأنت لا تحسن أن تقرأه؟ فقال: أيما أحب إليك أن أقرأه من أوله إلى آخره، أم من آخره إلى أوله؟ ثم اندفع يذكر شيئا فشيئا وينقضه عليه فتعجب منه جعفر.»

61

ثم نظروا في كتب الديانات الأخرى وتبحروا فيها، فيقول المرتضى أيضا: «إن النظام كان يحفظ القرآن والإنجيل وتفسيرهما.»

62

ووصف رجل واصل بن عطاء فقال: «ليس أحد أعلم بكلام غالية الشيعة ومارقة الخوارج ، وكلام الزنادقة والدهرية والمرجئة وسائر المخالفين والرد عليهم منه.»

63

وبعد أن أعد المتكلمون (وخاصة المعتزلة) أنفسهم هذا الإعداد نزلوا في الميدان وقاموا بعملين؛ أحدهما: أنهم نازلوا الطوائف الأخرى الإسلامية المخالفة لهم يجادلونهم ويردون عليهم، ويدعونهم إلى عقائدهم الخاصة؛ فالمعتزلة تحارب المجبرة، والمعتزلة تنازل الرافضة، تجادلوا جميعا في الجبر والاختيار، وفي صفات الله وفي التجسيم، وفي الثواب والعقاب، وروت لنا الكتب الشيء الكثير من هذا الجدال، وليس هذا الوضع محله. وثانيهما: منازلتهم لأهل الديانات الأخرى من مجوس ويهود ونصارى، ودعوتهم إلى الإسلام، وكانت هذه الحركة عنيفة في عصرنا، على أشد ما يكون من العنف؛ مانوية يدعون إلى دينهم ويظهرون محاسنه، ويهاجمون الإسلام ويأتون بالحجج، ويهود ونصارى كذلك. ولم يكن المحدثون وأمثالهم يستطيعون أن يقوموا بمناهضتهم، إنما الذين استطاعوا ذلك وانتدبوا أنفسهم للقيام به هم المتكلمون، حكى المرتضى «أن ملك السند طلب إلى الرشيد أن يبعث إليه من يناظره في الدين فبعث الرشيد إليه قاضيا لا متكلما؛ لأن الرشيد كان قد منع الجدال في الدين وحبس علماء الكلام، فانتدب ملك السند سمنيا ليجادل القاضي فسأل السمني القاضي: أخبرني عن معبودك هل هو القادر؟ قال: نعم. قال: أفهو قادر على أن يخلق مثله؟ فقال القاضي: هذه المسألة من علم الكلام، وهو بدعة وأصحابنا ينكرونه. فقال السمني للملك: قد كنت أعلمتك دينهم. وكتب ملك السند بذلك إلى الرشيد فقامت قيامته وضاق صدره، وقال: أليس لهذا الدين من يناضل عنه؟! قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، هم الذين نهيتهم عن الجدال في الدين، وجماعة منهم في الحبس. فقال: أحضروهم فلما حضروا قال ما تقولون في هذه المسألة؟ فقال صبي من بينهم: هذا السؤال محال؛ لأن المخلوق لا يكون إلا محدثا، والمحدث لا يكون مثل القديم؛ فقد استحال أن يقال يقدر على أن يخلق مثله أو لا يقدر، كما استحال أن يقال يقدر أن يكون عاجزا أو جاهلا. فقال الرشيد: وجهوا إليه بهذا الصبي. فقالوا: إنه لا يؤمن أن يسألوه على غير هذا، فقال: اختاروا غيره. فاختاروا معمر بن عباد السلمي (من شيوخ المعتزلة) فسم في الطريق.»

ضحى الإسلام · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٣٧