تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

57

وكان أكبرهم العباسيين أن يبقوا على التراث الذي ورثوه عن الأمويين، ويحافظوا على وحدته، فنجحوا بعض النجاح أولا وفشلوا أخيرا، وعلى العموم لم يزيدوا شيئا يذكر من الأقطار الأجنبية على المملكة الإسلامية.

ولكن - مع هذا - كان للعباسيين أثر كبير في دخول عدد عديد في الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، مما فتح في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين.

وفي نظري أن العباسيين من حيث هم أصحاب السلطان وأولياء الأمر والقابضون على زمام الدولة بذلوا في هذا الباب جهدا أكثر من الخلفاء الأمويين إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز؛ فقد كان نشر الدعوة في العهد الأموي عمل قواد وعلماء وأفراد متدينين أكثر منه عمل حكومة، ولم يكن للخلفاء الأمويين - غالبا - مظهر ديني من هذا القبيل. أما الخلفاء العباسيون فقد صبغوا صبغة دينية ظاهرة، ونظر إليهم كأنهم حماة الإسلام. وكان أبو جعفر المنصور أكبر من أحاط الخلافة بالإجلال الديني، وقوى من حرمة البيت العباسي، لا من ناحية القوة المادية - فحسب - بل من ناحية القوة الروحية كذلك. وكان من أثر هذا أن الخلفاء العباسيين لما ضعف نفوذهم المادي، وفقدوا السلطان على الرعية، ولم يك شيء من القوة في أيديهم؛ ظلت هذه السلطة الروحية فيهم، يستغلها القواد والأمراء والوزراء وأصحاب السلطان المادي، فيستجلبون رضى العامة بإعلان رضى الخليفة عنهم وإمدادهم الروحي لهم، ومن مظاهر ذلك في هذا العهد أن رأينا البيعة للخلفاء تحاط بأنواع من المراسم والشعائر لم تكن معروفة، وتؤكد البيعة في الحرم، ويعلى شأن إجماع أولي الحل والعقد، ونحو ذلك.

صبغة الخلفاء العباسيين بهذه الصبغة جعلتهم يشرفون على الدين من نواح مختلفة، ويتدخلون في المسائل الدينية بأكثر مما كان الأمويون. من ذلك أنا نرى المهدي كما سبق يتعقب الزنادقة، ويعين من يلي أمرهم، ويعاقب من ظهر منهم، ويحث العلماء على وضع الكتب في الرد عليهم، ويسير من بعده من الخلفاء سيرته، وذلك ما لم نعهده من قبل المهدي. ونرى الرشيد يتصل بالقضاة والعلماء اتصالا لم نعرفه في العهد الأموي، فلا نجد - مثلا - قاضيا كان من الخليفة الأموي من القرب والاتصال؛ ما كان أبو يوسف من الرشيد.

ويصور أبو يوسف نظر الناس إلى الخليفة في عصره، فيقول للرشيد في أول كتابه الخراج: «وإن الله بمنه ورحمته وعفوه جعل ولاة الأمر خلفاء في أرضه، وجعل لهم نورا يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما ينهم، ويبين ما اشتبه من الحقوق عليهم.» وقعد إبراهيم بن السندي أمام المأمون على ركبتيه، فقال له المأمون تمكن في قعودك، فقال إبراهيم: والله لا أضع قدر الخلافة، ولا أجلس إلا جلوس العبد بين يدي مولاه!

58

ويقول البحتري للمتوكل ويذكر خروجه يوم عيد الفطر:

أظهرت عز الملك فيه بجحفل

لجب يحاط الدين فيه وينصر

خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت

عدد يسير بها العديد الأكثر

والخيل تصهل والفوارس تدعي

والبيض تلمع والأسنة تزهر

والأرض خاشعة تميل بثقلها

والجو معتكر الجوانب أغبر

حتى طلعت بضوء وجهك فانجلت

تلك الدجى وانجاب ذاك العثير

وافتن فيك الناظرون فإصبع

يومى إليك بها وعين تنظر

يحدون رؤيتك التي فازوا بها

من أنعم الله التي لا تكفر

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا

لما طلعت من الصفوف وكبروا

حتى انتهيت إلى المصلى لابسا

نور الهدى ببدر عليك ويظهر

ومشيت مشية خاشع متواضع

لله لا يزهو ولا يتكبر

فلو أن مشتاقا تكلف فوق ما

في وسعه لمشى إليك المنبر

أبديت من فصل الخطاب بحكمة

تنبي عن الحق المبين وتخبر

ووقفت في برد النبي مذكرا

بالله تنذر تارة وتبشر

حتى لقد علم الجهول وأخلصت

نفس المروي واهتدى المتحير

صلوا وراءك آخذين بعصمة

من ربهم وبذمة لا تخفر

وكان من أثر ذلك نشاط الخلفاء في نشر الدعوة على الإسلام، مع ما كان من حمية الناس وحماستهم للدعوة. ولذلك رأينا كثيرا من أهل الملل الأخرى يدخلون في الإسلام أفواجا، ولم يكن السبب لدخولهم واحدا، فهناك - من غير شك - أسباب لذلك متعددة.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٣٦