تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

50

وكانت تقام لبعض الأديار أعياد سنوية. قال الخالدي في دير الكلب: «وله عيد في وقت من السنة يخرج إليه خلق من النصارى نساء ورجال للإقامة عنده، وخلق من المسلمين للنظر إليه والنزهة فيه، ويجتمع إليه أهل الرفث والمجان، وتسمع به الأغاني وأنواع الملاهي، وتذبح به الذبائح وتشرب الخمور.»

51

اغتنم المجان من الشعراء هذا كله، فأنشئوا حول الأديار أدبا غزيرا، وشعرا كثيرا، هو من الناحية الفنية بديع ممتع، مثل قول ابن المعتز:

يا ليالي بالمطيرة والكر

خ ودير السوسي بالله عودي

كنت عندي أنموذجات من الجنة

لكنها بغير خلود

أشرب الراح وهي تشرب عقلي

وعلى ذاك كان قتل الوليد

وقول آخر:

ما ترى الدير، ما ترى أسفل الدير

وقد صار وردة كالدهان؟

لو رآه النعمان شق عليه

ما يرى من شقائق النعمان

وآخر:

فتنتنا صورة في بيعة

فتن الله الذي صورها

زادها الناقش في تحسينها

فضل حسن إنه نضرها

وجهها لا شك عندي فتنة

وكذا هي عند من أبصرها

أنا للقس عليها حاسد

ليت غيري عبثا كسرها

وسرت هذه العادة في كل الأقطار، فتجد شعراء العراق والشام ومصر يتشببون بالأديار ومن فيها وما فيها، وتقرأ كتاب الديارات للشابشتي، ومسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، فتعجب من كثرة ما قيل من الشعر فيها وسكانها. وتراهم قد سلكوا في ذلك كل مسلك، وتفننوا كل فن، وهم بين مستهتر ومحتشم وطريف مؤدب وخليع ماجن. وهكذا كانت الأديار مصدرا لنغمتين كان الناس يسمعونهما كثيرا في ذلك العصر؛ نغمة حزينة زاهدة، تعدو إلى الفرار من الحياة وارتقاب الموت، ونغمة مرحة لاهية، تدعو إلى احتساء الكأس إلى آخر قطرة من قطراته، كل يوقع على الوتر الذي يهواه، وكل يغني على ليلاه. •••

كذلك نفذ إلى المسلمين بعض عادات اليهود والنصارى الدينية، فقد اتخذ بعض المسلمين أعياد النصارى عيدا، فيوم السعانين

52

عرف في العصر العباسي وما بعده، وقالت فيه الشعراء شعرا كثيرا، من ذلك ما يقوله عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع:

يا شادنا رام إذ مر

في السعانين قتلي

يقول لي كيف أصبحت

كيف يصبح مثلي؟!

ويقول:

يا ليلة ليس لها صبح

وموعدا ليس له نجح

من شادن مر على وعده ال

ميلاد والسلاق والذبح

53

وفي السعانين لو أني به

وكان أقصى الموعد الفصح

فالله أستعدي على ظالم

لم يغن عنه الجود والشح

ويقول:

إن في القلب الظبي كلوم

فدع اللوم فإن اللوم لوم

حبذا يوم السعانين وما

نلت فيه من نعيم لو يدوم!

إن تكن أعظمت أن همت به

فالذي تركب من عذلي عظيم

لم أكن أول من سن الهوى

فدع اللوم فذا داء قديم

54

ويقول:

إن كنت ذا طب فداويني

ولا تلم فاللوم يغريني

يا نظرة أبقت جوى قاتلا

من شادن يوم السعانين .. إلخ.

ويرى ابن تيمية أن اتخاذ المسلمين القبور مساجد كان تقليدا لليهود والنصارى، وروي في ذلك الأحاديث الكثيرة؛ مثل: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد.» ويقول الشافعي: «وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس.»

55

وعدد كثيرا من البدع التي أدخلت على زيارة القبور من أبنية الأضرحة، وإيقاد المصابيح، والتوجه بالدعاء نحو القبور، وختم ذلك بقوله: «وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى.»

56

وعلى الجملة، فنظرة إلى هذا كله ترينا أنه قد تسرب إلى المسلمين في العصر العباسي شيء غير قليل من اليهودية والنصرانية في التفسير والحديث، والمذاهب الدينية والعادات والتقاليد، وأنهما كانتا عنصرين من عناصر الثقافة العامة في ذلك العصر.

الإسلام

ليس من غرضنا - هنا - أن نبين تعاليم الإسلام وما دعا إليه، وما أتى به من أصول وفروع، فموضع ذلك قد مر في فجر الإسلام، وإنما غرضنا أن نبين تاريخ الإسلام في العصر العباسي، فهو بموضوعنا أليق.

ليس من شك أن العباسيين لم يضيفوا كثيرا من البلدان والأقطار إلى رقعة المملكة الإسلامية، فنحن إذا قارناها في ذلك بالدولة الأموية رأينا العهد الأموي أكثر فتحا، وأعظم نشرا للإسلام؛ ففيه فتح السند وبخارى وسمرقند إلى كاشغر، في حدود الصين، وفتحت الأندلس، وكان الفاتحون كما رأينا فيهم الدعاة إلى الدين، وفيهم العلماء، فلم يكن الفتح فتحا سياسيا حربيا فقط، بل كان أيضا نشرا للدعوة الإسلامية، وتعليما لأصول الإسلام وفروعه، ووضعا للنظم الإسلامية وتعليما للغة العربية وما إليها، وتبع ذلك دخول عدد كبير من أهل البلاد المفتوحة في الإسلام.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٣٥