لما رأونا والصليب طالعا
ومار سرجيس وسما ناقعا
والخيل لا تحمل إلا دارعا
وأبصروا راياتنا لوامعا .. إلخ.
قال جرير:
أفبالصليب ومار سرجس تتقي
شهباء ذات مناكب جمهورا!؟
وقال أيضا:
يستنصرون بمار سرجس وابنه
بعد الصليب، وما لهم من ناصر
ولكن أثر النصرانية في شعره قليل، كما لاحظ الأستاذ «لامانس»، بل هو متأثر في إيمانه بالإسلام أكثر من تأثيره بالنصرانية، كقوله:
إني حلفت برب الراقصات وما
أضحى بمكة من حجب وأستار
وبالهدي إذا احمرت مذارعها
في يوم نسك وتشريق وتنحار
وما بزمزم من شمط محلقة
وما بيثرب من عون وأبكار
44
وقوله:
وقد حلفت يمينا غير كاذبة
بالله رب ستور البيت ذي الحجب
وكل موف بنذر كان يحمله
مضرج بدماء البدن مختضب
كذلك هو في حياته مضطرب بين عادات من حوله من النصارى والمسلمين؛ فهو يشرب الخمر ويعلق الصليب، وهو يطلق امرأته ويتزوج أخرى بل ويتسرى!
وفي العصر العباسي لم يشتهر كثير من النصارى بالشعر العربي، وعرف منهم أبو قابوس. وقال في العمدة: «كان أبو قابوس الشاعر رجلا نصرانيا من أهل الحيرة.» وكان منقطعا إلى البرامكة يمدحهم ويمنحونه، روي من شعره قليل، من ذلك أنه استمنح عفر بن يحيى البرمكي ثوبا يلبسه يوم العيد في الكنيسة، فقال من قصيدة:
أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا
رأيت مباهاة لنا في الكنائس
فلا بد لي من جبة من جبابكم
طيلسان من خيار الطيالس
ولكن على العموم شعراؤهم في عصرنا قليلون، وليس لهم كبير أثر في الشعر العربي، ولم يكن لهم مثل الأخطل، أو ما يقرب منه.
45 (2)
كان أكبر من ذلك أثرا ما نقل من المواعظ عن الرهبان في الأديار، وما نقل عن الكتب النصرانية، كالذي حكى ابن قتيبة: «قال بعضهم أتيت الشام فمررت بدير حرملة وبه راهب كأن عينيه عدلا مزاد، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: يا مسلم، أبكي على ما فرطت فيه من عمري، وعلى يوم مضى من أجلي لم يحسن فيه عملي! قال: ثم مررت بعد ذلك فسألت عنه فقالوا: أسلم وغزا فقتل في بلاد الروم.»
46
ويقول ابن قتيبة أيضا قرأت في الإنجيل: «لا تجعلوا كنوزكم في الأرض حيث يفسدها السوس والدود، وحيث ينقب السراق، ولكن اجعلوا كنوزكم في السماء، فإنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم ...»إلخ.
47
وفي العقد الفريد: «قال عيسى (عليه السلام) للحواريين: «لا تنظروا في أعمال الناس كأنكم أرباب، وانظروا في أعمالكم كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان، مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية.»
48 «ولقي رجل راهبا فقال: يا راهب، صف لنا الدنيا، فقال: الدنيا تخلق الأبدان وتجدد الآمال وتباعد الأمنية وتقرب المنية.»
49
إلى كثير من أمثال ذلك.
ومن غريب الأمر أن هذه الأديار كانت منبعا لشيئين متناقضين أشد التناقض؛ كانت منبعا لزهد وورع وبعد عن الدنيا وشئونها، ومحطا لبعض زهاد المسلمين، يروون عن الرهبان أقوالهم في الهرب من اللذات كالذي روينا، وكانت كذلك مناح الخليعين من الشعراء والأدباء يخرجون إليها، ويتشببون بفتيانها وفتياتها، ويقولون في ذلك القول الخليع والشعر الجميل؛ ذلك أن الأديار كانت غالبا في أجمل المواضع، وأحسنها هواء وأجملها منظرا، تحيط بها أنواع البساتين، وتجمل فيها الأزهار والرياحين، قال البحتري:
ما تقضى لبانه عند لبنى
والمعنى بالغانيات معنى
نزلوا ربوة العراق ارتيادا
أي أرض أشف دارا وأسنى؟
بين دير العاقول مرتبع أشرف
محتله إلى دير قنى
حيث بات الزيتون من فوقه
النخل عليه ورق الحمام تغنى
وشاع عند الشعراء ما فيها من خمر معتق، وشراب جيد مصفى.
إن عجزا كما نكون وغبنا
أن نرى صاحيين في دير قنى
حبذا روضه المدبج ليلا
وهواه ذاك الممسك ردنا
قد جرى السلسبيل بالمسك فيها
فحوته الدنان، دنا فدنا
ويظهر أن الخمارين استغلوا شهرة الأديار بالشراب، فأنشئوا حولها الحانات. قال ابن فضل الله العمري: «وكانت حول دير العذارى حانات للخمارين وبساتين ومتنزهات.»