وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما * ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ، ووردت أحاديث كثيرة تتعرض للقدر، وكان ذلك قبل فتح المسلمين للشام والعراق، مثل ما روي عن جابر قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.» عن علي قال: «كنا في جنازة ببقيع الغرقد، فأتانا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وبيده مخصرة فجعل ينكت بها الأرض، ثم قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة.» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل الشقاء.» ثم قرأ:
فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى
39
وروي أن عليا لما انصرف من صفين قام إليه شيخ، فقال أخبرنا عن سيرنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر؟» ... إلخ، إلى كثير من أمثال ذلك.
فنرى من هذا أن فكرة القضاء والقدر كانت عند المسلمين قديما، ويظهر أنها فكرة تحدث حول كل دين تقريبا، فقد كانت في اليهودية والنصرانية والمجوسية، فلم لما ظهرت في الإسلام، وكان شأنها شأن الديانات الأخرى؛ عدت نصرانية الأصل؟ بل تاريخ المعتزلة يدلنا على أن جدالهم مع مجوس الفرس كان أكثر من جدالهم مع اليهود والنصارى، وأن كثيرا من أصول مذهبهم وضع للرد على الفرس لا على النصارى، وأكبر ردهم كان على الجهمية أصحاب جهم بن صفوان الخراساني الأصل، لهذا نرى أن المعتزلة كانت نشأتهم الأولى إسلامية بحتة، وإن تأثروا بغيرهم من أهل الديانات الأخرى؛ فمن ناحية إن هذه الديانات كانت تقترح على المعتزلة موضع النزال، فإذا قال المجوسي الذي دخل الإسلام بالتجسيم، أو قال بالجبر نازلهما المعتزلة، ولكنهم يستندون في حججهم على الإسلام والعقل، أما بعد عصرهم الأول فهذا موضوع آخر سنتناوله عند الكلام في المعتزلة في العصر العباسي إن شاء الله. •••
واستمر الجدل بين المسلمين والنصارى في عصرنا العباسي، وقد حكت لنا الكتب منها الشيء الكثير كرسالة الجاحظ «في الرد على النصارى»،
40
فهي تصور لنا ما كان يثيره النصارى واليهود من شبهات، وما كان يدفع به المسلمون تلك الشبهات. كما تذكر لنا طرفا من أخبار اليهود والنصارى، والسبب الذي من أجله كانت العداوة بين المسلمين والنصارى أقل من العداوة بين المسلمين واليهود ... إلخ. ونقل إلينا أن عبد الله بن إسماعيل الهاشمي كتب رسالة إلى عبد المسيح إسحاق الكندي يدعوه بها إلى الإسلام، فرد عليه عبد المسيح يدعوه إلى النصرانية، وكان ذلك في عهد المأمون.
41
وحكى الجاحظ في الحيوان جدالا كان بينه وبين النصراني في القرابين والذبائح،
42
إلى كثير من أمثال ذلك. وكل هذا الجدل يدل على معرفة اليهود والنصارى لكتب المسلمين يأخذون منها حججهم، ومعرفة المسلمين لكتب اليهود والنصارى كذلك.
وفي الأدب تسرب بعض ما للنصرانية إلى الأدب العربي من وجوه عدة: (1)
أن بعض الشعراء كانوا نصارى، فأدخلوا في شعرهم العربي شيئا من النصرانية، وكان أوضح مثل لذلك في العصر الأموي «الأخطل»؛ فقد ورد في شعره أثر من النصرانية مثل قوله:
ولقد حلفت برب موسى جاهدا
والبيت ذي الحرمات والأستار
وبكل مهتبل عليه مسوحه
دون السماء مسبح جأر
لأحبرن لابن الخليفة مدحه
ولأقذفن بها إلى الأمصار
ويقول: «والصليب والقربان لأتخلصن إلى كليب خاصة دون مضر، بما يلبسهم خزيه ويلزمهم عاره.»
43
وروى ابن الأثير أن الأخطل لما قال: