وغير هذا الذي ذكرنا كانت المناقشات الدينية بين المسلمين والنصارى؛ فقد فتح المسلمون البلاد كالشام والعراق، وكانت مملوءة بالنصارى، فلما هدأت الحرب بالسيف بدأت الخصومة باللسان. كان المسلمون يدعون إلى الإسلام، فيضطرهم ذلك إلى ذكر الحجج والبراهين على صحة هذا الدين، فكان رؤساء النصرانية يقابلون الحجج بحجج، فنشأ من هذا جدل كثير، وكثر ذلك في الدولة الأموية. وكان أكثر ما يكون في الشام؛ إذ دمشق عاصمة الخلافة، وفي الشام كثير من النصارى؛ لأنها كانت في يد الرومان النصارى. ولأن قصور الخلفاء الأمويين في دمشق كان فيها نصارى يتولون مناصب كبيرة، من ذلك ما حكي لنا عن يحيى الدمشقي؛ فقد كان نصرانيا شديد التمسك بنصرانيته، وعمل هو وأبوه في قصر عبد الملك بن مروان، وألف يحيى كتابا للنصارى يدفع به دعوة المسلمين؛ من أمثال ما جاء فيه: «إذا قال لك العربي: ما تقول في المسيح؟ فقل له: إنه كلمة الله، ثم ليسأل النصراني المسلم: بم سمي المسيح في القرآن؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه المسلم؛ فإنه سيضطر إلى أن يقول: «كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه.» فإن أجاب بذلك فاسأله: هل كلمة الله وروحه مخلوقة أو غير مخلوقة؟ فإن قال مخلوقة فليرد عليه بأن الله إذن كان ولم تكن له كلمة ولا روح، قال يحيى: فإن قلت ذلك فستفحم العربي؛ لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين. والمسلمون ردوا على هذا الاعتراض بأن المراد بالكلمة أنه وجد بكلمة الله وأمره، من غير واسطة قال:
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون
وأما الروح فتستعمل بمعنى الرحمة، كقوله تعالى
وأيدهم بروح منه ، وأن عيسى لما لم يتكون من نطفة الأب، وإنما تكون من نفخة الملك وصف بأنه روح، وقد سمى الله جبريل روحا، ولم يقل أحد فيه ما قالوا في عيسى، وقال الله في آدم:
ونفخت فيه من روحي
كما قال في عيسى، وسمى القرآن روحا؛ فقال
وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ... إلخ. قالوا: وحينئذ لا يرد اعتراض يحيى الدمشقي؛ لأنه اعتراض وارد على فهم ظاهر لفظ «كلمة» و«روح». على كل حال كان هناك جدال بين المسلمين والنصارى، وكان ذلك يضطر كلا لقراءة كتب الآخر، يستعين بها على تأليف حججه.
وفي الفرق الإسلامية نجد ظلا للتعاليم النصرانية؛ فقد تجادلت الكنائس النصرانية مثلا في خلود العذاب، وذهب آباء الكنيسة اليونانية إلى إنكار أبدية عذاب النار،
37
فرأينا جهم بن صفوان يقول: إن الجنة والنار يفنيان ويفنى أهلهما.
38
ويذهب الأستاذ فون كريمر «إلى أن فرقة المعتزلة نشأت من النصرانية؛ لأن آباء الكنائس كانوا يتجادلون في حرية الإرادة، وأن الإنسان مجبور ومختار. وبعبارة أخرى في مسألة القدر، كما كانوا يتجادلون في صفات الله. وقد تسربت هذه العقائد إلى المعتزلة من طريق النصارى بعد فتح المسلمين للشام. ومن أشهر من احتك بالمسلمين في ذلك العصر الأموي يحيى الدمشقي، وثيودور أبو كارا
Abucara
وقد تكلم يحيى في أن الله مصدر الخير، وقال: إن الخير يصدر من الله كما يصدر الضوء من الشمس، فتكلم المعتزلة الأولون في القدر وفي صفات الله أخذا عن النصارى.
ولكني لا أرى هذا الرأي، بل أرى أن مسألة القدر صدرت عن المسلمين أنفسهم، وكان سبب ذلك أن القرآن الكريم وردت فيه آيات ظاهرها الجبر مثل قوله تعالى:
ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون
أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
وبجانب هذا آيات ظاهرة الاختيار، وأن الإنسان مسئول عن عمله؛ مثل: