فإنه دعاء نصراني مشهور.
ونحن مع موافقتنا للأستاذ جولدزيهير في أن بعض الأقوال النصرانية دخلت في الحديث، ونسبت إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
لا نوافقه على كل ما قال، ولا على نسبة كل الأحاديث التي ذكرها إلى النصرانية، فمثلا نظرة تبجيل الفقر وتعظيمه ليست نصرانية بحتة، فكل الديانات الإلهية (من يهودية ونصرانية وإسلام) ترى هذا النظر، وطبيعي لها أن تراه، فمن أركان الأديان اتخاذ المقياس العمل الصالح لا المال، وهي تهاجم ما ألف الناس من تقديرهم الإنسان بغناه، فالدين يرى أن العمل الصالح له قيمته الذاتية، سواء أتى من غني أو فقير، بل طبيعي أن يكون بعض الأعمال من الفقير أفضل كالأعمال الخيرية المالية؛ إذ تضحية الفقير أعظم، فعدل أن يكون ثوابها أعظم، ومحمد رسول الله عف عن الغنى ولم يشأ أن يكون غنيا، وكان في إمكانه أن يكونه، ووردت في القرآن نفسه آيات تمجد الفقراء الصالحين:
للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم
للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض
فاتحاد الإسلام والنصرانية في مدح الفقر لا يدل على أخذ الإسلام ذلك من النصرانية، قالوا: إن العربي كان يفضل الغنى على الفقر، فقد قال عروة بن الورد:
دعيني للغنى أسعى فإني
رأيت الناس شرهم الفقير
ولكن قد قال عربي غيره، وهو قيس بن الحطيم:
غني النفس ماعمرت غني
وفقر النفس ما عمرت شقاء
وليس في هذا ولا ذاك دليل على قولهم، فكلامنا في الإسلام، والإسلام حكمه ما بينا
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
ما أغنى عنه ماله وما كسب
ولكن من غير شك رويت في النصرانية واليهودية أخبار كثيرة، وقصص عن الفقراء وفضلهم، أدخلها المسلمون في كتبهم، كالذي روي في الإحياء «أن المسيح (صلى الله عليه وسلم) مر في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة، فأيقظه، وقال: يا نائم قم فاذكر الله تعالى، فقال: ما تريد مني؟ إني قد تركت الدنيا لأهلها. فقال له: فنم إذن». ومر موسى (عليه السلام) برجل نائم على التراب وتحت رأسه لبنة، ووجهه ولحيته في التراب، وهو متزر بعباءة، فقال: يارب عبدك هذا في الدنيا ضائع! فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى عبد بوجهي كله زويت عنه الدنيا كلها، وقال المسيح (صلى الله عليه وسلم): بشدة يدخل الغني الجنة، وقال موسى (عليه السلام) «يارب من أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك؟ فقال كل فقير فقير.»
36
ويظهر لنا أن هذه الأخبار وأمثالها لونت حياة المسلمين بلون خاص؛ فقد كان الإسلام في أصله يدعو إلى العمل في الحياة، ولا يحب الرهبانية. ويقدر العمل ممن عمل، غنيا كان أو فقيرا. ثم رأينا الأخبار التي وردت بعد من مثل ما حكي في الإحياء تحث على نزعة جديدة، هي الهرب من الغنى، وحب العبادة، وإن ترك صاحبها العمل في الدنيا، وهي نزعة أشبه ما تكون بالرهبانية لم نعرفها كثيرا في الأيام الأولى من تاريخ الإسلام.
روي أن رفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا: ما رأينا يا رسول الله بعدك أفضل من فلان كان يصوم النهار، فإذا نزلنا قام من الليل حتى نرتحل. قال: فمن كان يمهن له ويكفله؟ قالا: كلنا، قال: كلكم أفضل منه.
وفي التاريخ عني مؤرخو المسلمين بتاريخ النصارى، وكان من أولهم في ذلك اليعقوبي؛ فقد ذكر في تاريخه مقتبسات من الإنجيل. وفي تاريخ الطبري طرف من تاريخ النصارى، ففيه خبر طائفة من الحواريين وخبر جرجيس وهو كما يقول الطبري: عبد صالح من أهل فلسطين، أدرك بقايا من حواريي عيسى، وأطال في قصته. وفيه خبر أصحاب الكهف ... إلخ، وكذلك فعل المسعودي. وقد خلطوا فيما كتبوه بين الأخبار الصحيحة، والأقاصيص المتداولة على الألسنة، كما فعلوا فيما نقلوا من تاريخ اليهود.