دعتني إلى الإسلام يوم لقيتها
فقلت لها لا بل تعالي تهودي
فنحن على توراة موسى ودينه
ونعم لعمري الدين دين محمد
كلانا يرى أن الرشادة دينه
ومن يهد أبواب المراشد يرشد
وكالذي حكى الصفدي في «الغيث» من مناقشة بين يهودي ومسلم يقول بالجبر.
32
كل هذه المناقشات كانت تضطر كل جانب أن يكون على علم بدين مناظره، يستمد منه حجته، ويدفع به حجة خصمه، فكان ذلك من أسباب انتشار الثقافتين.
النصرانية
كذلك ورد في القرآن الكريم آيات تشير إلى الإنجيل، وتعده كتابا من كتب الله السماوية
ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل
إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل
وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ... إلخ. وكان موقف المسلمين إزاء الإنجيل واختلافهم في صحته وتحريفه كاختلافهم في التوراة، بل ذهب ابن حزم وابن تيمية، وغيرهما في عدم الاعتراف بالإنجيل الذي بين أيدينا إلى أكثر مما ذهبوا إليه في التوراة.
33
على كل حال كان للنصرانية ثقافة دينية أهمها الإنجيل، وما أحاط به من شروح، وما زاد عليه من قصص وأخبار. وقد تسرب ذلك كله إلى المسلمين من طرق؛ أهمها نصارى العرب. وقد كانت النصرانية قد انتشرت بين بعض قبائلهم، ولا سيما في قبيلة تغلب ونجران، وكذلك من طريق من أسلم من النصارى. ونلمس هذا الأثر في كثير من النواحي، فأول ذلك تفسير القرآن.
ذلك أن القرآن الكريم اشتمل على مواضع وردت في الإنجيل، كقصة عيسى عليه السلام، وأسلوب القرآن - كما ذكرنا - أسلوب موجز، يقتصر على موضع العظة، فجاء المفسرون ينقلون عن مسلمة اليهود والنصارى شروحا لهذه الآيات، إن شئت فاقرأ تفسير سورة مريم في الطبري تجده ينقل شروحا كثيرة من الإنجيل وتفسيراته، وما وضع حوله، ينقل ذلك عن وهب بن منبه وعن أسباط وعن ابن جريج، وعن زكريا بن يحيى بن زائدة. وانظر كذلك تفسيره لقوله تعالى في سورة آل عمران في تعداد معجزات عيسى عليه السلام:
ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ... الآية، فيأتي ابن جريج فيفسر الطير بالخفاش، ويروي الطبري عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق قصة في كيفية ذلك إلى آخره.
34
وتضخم ذلك بعد حتى رأينا القصص الطويلة عن زكريا ويحيى بن زكريا، ومريم وعيسى عليهم السلام والحواريين، وحديث المائدة في كتاب قصص الأنبياء للثعلبي،
35
وأمثاله.
كذلك أدخل مسلمة النصارى أقوالا من الإنجيل دست على أنها أحاديث لرسول الله
صلى الله عليه وسلم .
وقد مثل الأستاذ جولدزيهير لما دخل عن النصرانية في الحديث بحديث: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.»
وحديث قال لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «إنكم سترون بعدي أثرة، وأمورا تنكرونها. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم.»
فقد أخذ مما ورد في إنجيل متى: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، وكذلك الإمعان في تفضيل الفقراء على الأغنياء، فإن هذا نظر نصراني. وقد ورد في الحديث: «يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام.»
ومثل حديث: «كونوا بلها كالحمام.»
فقد ورد مثله في إنجيل متى: «ها أنا أرسلكم في وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات، وبسطاء كالحمام.» وكذلك حديث أبي داود عن أبي الدرداء، قال سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك، على هذا الوجع، فيبرؤ.»